فهرس الكتاب

الصفحة 2287 من 27364

عبد الله المبرد 10/4/1424

الأمن الذي تتسابق الأمم إلى بسطه، وتتفاخر الحضارات باستقراره وضبطه لا يعني سلامة الأرواح والأموال فحسب؛ بل هو أعمق من ذلك وأشمل، حيث يعني توفير الطمأنينة للنفوس، وزوال الخوف، وعدم توقع المكروه. فالأمن في حقيقته تحرير للنفس والعقل والروح، وإطلاق لطاقات الإنسان، تخمد معه كل أسباب الخوف، وتموت بواعث القلق والترقب، وعلى قدر النجاح في تحقيقه ينمو الفكر، وتتفاعل الثقافة، وتروج التجارة، ويشيد العمران، وتزدهر المصانع والمزارع، وتسلك السبل، وتتقارب المسافات. وعلى قدر الإخفاق فيه؛ تجري الأمور عكس ذلك، وتتعرض كل منجزات الإنسان للانهيار والذبول بعد أن تصاب نفسه بالشلل، ويصاب عقله بالجمود.

ولأن الإسلام نزل ختاماً للأديان، وجاء ليمثل درجة النضج للحضارات الإنسانية، وليصوغ حياة الناس على نموذج يحقق لهم السعادة في حياتهم، وبعد مماتهم، فقد جاء هذا الدين حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه. فالأمن يسير مع الإسلام حيث سار كظل الشيء، ويحل حيث يحل، ويرحل حين يرحل.

وإذا كان القضاء على أسباب الخوف يعد من أكبر التحديات التي تواجه الأمم، فتختلف الاستراتيجيات في مقاومته والقضاء عليه؛ فالإسلام -كما هو منهجه- يعالج المشكلة بشمولية وتكامل، وسمو وتفوق، وبكل دقة ووضوح يحدد العناصر الضرورية التي بسلامتها يتحقق الأمن، ويسميها"الضروريات الخمس": (الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال) . فأي تهديد لواحدة من هذه العناصر يُفقد الحياة طعم الأمن، ويجعل المجتمع نهباً للخوف ومضاعفاته، والظلم وتداعياته.

وتتجلى عظمة الإسلام وكماله في تعامله مع هذه المنظومة الخماسية بترابط وتوازن، حيث إن أية تهديد لواحدة منها يعرض بقيتها للانهيار، فهي بمثابة حبات العقد إذا انفرطت واحدة تتابعن خلفها.

والمعضلة الأمنية التي تواجه المجتمعات التي تتجاهل هذا الترابط أنها تتعامل مع هذه العناصر تعاملاً جزئياً انفرادياً، فتخول لنفسها تحت هاجس (الحرية) إهدار واحد من هذه العناصر -كالعقل مثلاً-؛ فتبيح الاعتداء عليه، ولا تمانع من تعطيل بعض الوقت بالمسكرات وغيرها، ثم تتفاجأ بعد ذلك ونتيجة حتمية له ؛بتعرض الدماء والأعراض والدين للتهديد. وتحاول تلك المجتمعات - عبثاً- أن تحافظ على تلك الأربع دون (خامستها) ، وهذا التمثيل ينطبق على أي عنصر منها، بمعنى أنه لا أمن لأي منها إذا اُعتُدي على أحدها.

وللأصل الأول منها (الدين) موقعه المحوري بالاعتداء عليه يفصم المنظومة الأمنية، ويجعل الحياة بعدها معترك خوف وظلم وعنف وفوضى، وذلك من جهتين:

الأولى: أن الدين - بصرف النظر عن صحته وبطلانه - يقع من نفوس البشر في حشاشتها، ويجد له في قلوبهم حمية واستعداداً للدفاع عنه؛ بل والموت دونه، وذلك معروف في تجارب المجتمعات البشرية وتاريخها، فلا يطيب الموت (الاختياري) إلا دون الأديان أو ما يقوم مقامها - عند المجتمعات غير المتدينة- من المبادئ والأفكار والمعتقدات.

ومراعاة لهذه الطبيعة البشرية نهى الله- سبحانه وتعالى- عباده عن سب الذين يدعون من دون الله، رغم أنها أوثان وأصنام، ولربما صنع لها السباب قيمة لم تكن لها، ومع ذلك نهى الله عن سبها لأنه يستثير حمية عبدتها، ويهيجهم على العدوان، ويشكل دون قلوبهم حاجزاً دون قبولهم الحق، أو حتى استعدادهم للحوار والنقاش، فالأفكار -وحدها- هي التي لا تعالج بالعنف والسخرية والتهم والشتائم؛ لأن ذلك يزيدها صلابة، ويكَّون حولها طبقة من الإعراض والصدود النفسي، ويزيد التحامها مع ذات أصحابها، فلا يبقها أمل للانفكاك عنها.

والثانية: أن الدين إذا كان حقاً - وليس غير الإسلام حق- فإنه في ذاته يتضمن نظاماً أمنياً عاقلاً على مستويات متعددة؛ ففيه من المفاهيم والاتجاهات والعقائد ما يربي النفوس السوية على الانضباط الذاتي من خلال (الترغيب والترهيب والتهذيب) ، ومن خلال (التكريه) للاعتداء على الأديان والأنفس والأعراض والأموال والعقول؛ بل فيه نهي عن مجرد التخويف والترويع، وأية ممارسة من هذا النوع تعرض إسلام صاحبها للنقصان"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"بل ربما أخرجه ذلك من جماعة المسلمين، وأقصاه عنهم.

ويذهب الإسلام إلى أبعد من ذلك، بحيث يعزز مصادر الأمن، ويوفر الحياة والنماء بالإحسان إلى كل ذي كبد رطبة، وإغاثة الملهوف، وإعانة ذي الحاجة وردَّ الضالة، وغرس الأشجار، وإماطة الأذى عن الطرقات، ونشر الابتسامة والبشاشة، وإفشاء السلام، وتبادل الكلم الطيب ... إلخ.

وإكمالاً لذلك جاء الإسلام بنظام (جزائي تفصيل إجرائي) ويشكل قوة رادعة لمن لا يتجاوب مع المستوى الأول، وهذا النظام يمنح العناصر الخمسة حماية متكافئة وأهمية متقاربة، بحيث يؤدب المعتدي على النفس (بالقصاص) ، والمتجرئ على الدين (بحد الردة) ، والمعتدي على الأعراض (بالرجم أو الجلد) ، والمتطاول على المال (بقطع اليد) ، والمستهتر بالعقل (بالجلد) وربما وصل الأمر في كل ذلك إلى القتل (تعزيراً) في سائرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت