فهرس الكتاب

الصفحة 6501 من 27364

موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 4373)

مهران ماهر عثمان نوري

الخرطوم

خالد بن الوليد

الخطبة الأولى

أما بعد: فيقول الله تبارك وتعالى: لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ [آل عمران:28] .

هذه الآية تنهى المؤمنين عن موالاة الكافرين، والمؤمن مطالب في نصوص كثيرة بموالاة المؤمن ومعاداة الكافر، وهذا ما يُعرف بعقيدة الولاء والبراء.

فالولاء والوِلاية والوَلاية: النصرة، والموالاة ضد المعاداة. والبراء: التنزه والتخلص والعداوة والبعد. وعلاقة الولاء والمحبة والبراء والبغضاء علاقة ملازمة، فالولاء لازم المحبة، والبراء لازم البغض.

هذه العقيدة من الأهمية بمكانٍ في ديننا الحنيف، ومما يدلل على ذلك:

1-أنَّ الإيمان لا يتحقق إلا بها، قال تعالى: وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ [المائدة:81] ، قال شيخ الإسلام:"وهذه جملة شرطية إذا وُجد الشرط وُجد المشروط... ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء، فمن اتخذهم أولياء ما فعل الإيمان الواجب" (1) [1] .

2-تحقيقها أوثق عُرى الإيمان، سأل النبي أبا ذر: (( أتدري أي عرى الإيمان أوثق؟ ) )قال: الله ورسوله أعلم، قال: (( الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله عز وجل ) )رواه الطبراني وصححه الألباني، وقال: (( مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ وَأَبْغَضَ لِلَّهِ وَأَعْطَى لِلَّهِ وَمَنَعَ لِلَّهِ فَقَدْ اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ ) )رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني. إذًا فدين الإسلام دين حب وبغض، دين ولاء وعداء، دين رحمة وسيف.

3-يجد الإنسان إذا حققها حلاوة الإيمان، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: (( ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ) )أخرجاه في الصحيحين. فالحب والبغض من المعاني التي تجري على كل أحد، لكنَّ الموفَّق من أخضعها للشَّرع؛ فلا يحب إلا لله، ولا يبغض إلا لله، وما يُلقَّاها إلا ذو حظٍّ عظيم.

4-وبايع النبي جرير بن عبد الله فقال له: (( أُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَتُقِيمَ الصَّلاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ وَتُنَاصِحَ الْمُسْلِمِينَ وَتُفَارِقَ الْمُشْرِكِينَ ) )رواه أحمد والنسائي.

معاشر المؤمنين، لقد أعلمنا القرآن الكريم أن التبرؤ من الكافرين دأب الأنبياء عليهم الصلاة والتسليم، ونحن مأمورون بالسير على طريقهم.

فهذا أبو الأنبياء خليل الرحمن إبراهيم عليه الصلاة والسلام يقول الله تعالى عنه: قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:75-77] ، وقال: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الزخرف:26-28] . ومع شدة بره بأبيه الذي يلمسه كل من قرأ سورة مريم أظهر التبرؤ منه لما وضح له أنه من أعداء رب العالمين ومات على ملة المشركين، وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ [التوبة:114] ، وتبين له ذلك لما مات على الكفر.

وهذا هود عليه السلام قال الله تعالى عنه: قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللّهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [هود:54-56] . وقد جمع بين إظهار هذه العقيدة وبين القوة والحزم في ذلك، وقد ذُكر لنا سرُّ قوته هذه في قوله: إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم [هود:56] ، فصدق التوكل على الله سبب حفظه ورعايته، وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:3] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت