مهنا الحبيل 1/4/1428
المفارقة القوية في مضامين الوعي الحقوقي الدستوري للوطن العربي برزت في القاهرة هذه المرة؛ إذ أصبح الإخوان المسلمون طليعة النضال في مسيرة الكفاح الدستوري الذي يحقق ويوسع دائرة الحقوق واحترام الإنسان وسيادة الأمة وسلطان الشعب ورقابته على الدولة.
وعلى الرغم من أن إيمان الإسلاميين القاطع والجازم بأن كل هذه الحقوق المدنية والحياة الدستورية الكريمة هي من أولويات الفقه الدستوري الإسلامي، وبالتالي إيمانهم بمرجعية الإسلام كسلطة تشريعية مقننة لحقوق الشعب وسيادة السلطان الذي يرتضيه، وليس كأنموذج كنسي يهيمن على الحياة العامة وتبادل المصالح بين الدين وقيصر، وعدم تحقيق نص هذه المادة بوضوح في الدستور المصري لضمان إسلامية المرجع القانوني الذي يؤمن به الشعب المصري، والذي يضيف إليه بعداً أممياً واضحاً يوثق الرباط المقدس بين القيادة القومية العربية في أرض الكنانة وبين مرجعية الأمة في هويتها الحاسمة والتي تربطها بقضايا المصير من فلسطين وحتى المغرب العربي إلاّ أنهم بقوا صامدين في أرض النضال وإن لم يُستجب لمطلبهم.
إن عدم تحقيق هذه المادة لم يوقف سلسلة وقافلة الشهداء والمناضلين الذين ملأ بهم النظام المصري السجون والمعتقلات بعد أن شيع الإخوان في هدوء وصمت شهداء هذه المسيرة والتي كان آخرهم الأستاذ حسن الحيوان -رحمة الله عليه- وبعد أن بسطوا الشارع الوطني العام برداء الشباب الإسلامي في دعم وشراكة كاملة لمسيرة الحقوقيين الدستوريين في سبيل الأمة.
عجيب أمر هؤلاء الإخوان.. كنت منذ اعتقال الدكتور عصام العريان أنوي كتابة مقال استحضر فيه روحه العظيمة وقيمته الكبيرة ومفاهيمه الإسلامية الحقوقية حين كتب عن الأستاذ سعد الدين إبراهيم بعد اعتقاله واتهامه من النظام المصري، على الرغم من تباين الأصول الفكرية والانتماءات السياسية لدى الشخصين إلاّ أن عصام أبى إلاّ أن يحلق ويعلن مبادئه كما هي دعوته في التضامن مع سعد الدين إبراهيم غير المحتاج -في الأصل- إلى هذا التضامن لما هو معروف من وضعه الدولي وعلاقاته الواسعة.
ولكن حين يُسجن العريان مجدداً لم يكن ذلك التضامن أو ردة الفعل حاضرة كعادة الفعاليات الفكرية والسياسية في التعامل مع الإسلاميين في تضحياتهم ومعاناتهم في سبيل الحق والشعب؛ فكم مُلئت بهم السجون، وكم شهدت الأرض لأجسادهم وشهدائهم، ولكن النكران الذي دائماً يرفع في وجوههم يُغطّى برعاية الطغاة الدوليين والمحليين، حتى لا تُوظّف تضحياتهم في ضمير الشعب، ومع الأسف فإن العجز الذاتي في تطوير دعوات الوعي والفكر الإسلامي وطغيان الأخلاق الحزبية والتزاماتها المعقدة فوّت على إخوان مصر أن يستثمروا تلك التضحيات والسجل الإصلاحي، وهذا حقهم المشروع ديناً وعقلاً، ولكنها لن تضيع عند الله والناس.
وكم وددت لو أن الأخ الدكتور عصام العريان قد حجب رأيه عن قضايا التيار الإسلامي في الخليج الأدْرَى بوضعه ومدى ما يُصلح له وما يطرحه مفكروه في مواجهة النفوذ الأجنبي أو تطوير الوعي الإصلاحي، ليس من باب الإقليمية ولكن من إدراكي بأن هذه القضية المعقدة في الخليج يصدق عليها قطعاً.. أهل مكة أدرى بشعابها.
إن الشعور الجمعيّ المطبق على وجدان شريحة كبيرة من الأمة بالتعاطف الفوري مع حركة الإخوان المسلمين وإيمانهم بأن الإخوان كفكر رسالي، وليس كمواقف حزبية لا يزالون يمثلون القاعدة الصلبة لهوية الأمة ونبضها، مع تطور الفكر الحقوقي لدى طليعتهم، غير أن ما يُعلن -مع الأسف الشديد- من بعض التصريحات التي تصدر هنا وهناك تسيء لهذا الموقف، ولعل أكثرها إيلاماً وتأثيرا تصريح الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، وهو فرس الرهان الشقيق للعريان لجيل البعث الإسلامي الجديد في إخوان مصر، وتأييده لتمثيل الحزب الإسلامي العراقي عبر قيادته الحالية للإخوان في قضية احتلال العراق حين قرر مبكراً المشاركة مع الاحتلال في برنامجه السياسي بعد الاحتلال في مجلس الحكم الذي أنشأه بريمر، فكان لهذا الموقف وقع الصاعقة على التيار الإسلامي في الخليج.
ولو كان د.أبو الفتوح حصيفاً، وقد كانت هناك أصوات عديدة تعلن انتماءها لمدرسة الإخوان في المقاومة العسكرية والسياسية المشرفة والعظيمة للشعب العراقي لأدرك أن الانتماء الحزبي لا يجوز أبداً أن يُطبق على قضايا الشريعة الحاسمة.
والخطورة أن تصريحات د.أبو الفتوح أعطت دلالة بأن هذه الحالة من نفوذ الاحتلال في المنطقة العربية بالإمكان أن تتعاطى معها بعض المجموعات الحزبية التي تنسب نفسها للإخوان بناء على هذا الموقف، وهو ما يهدم لدى الرأي العام الإسلامي ما قدمه د.أبو الفتوح من رصيد كان مهماً لحركة الوعي الإسلامي وانطلاقاتها التجديدية نحو الشعب والأمة.