فهرس الكتاب

الصفحة 6228 من 27364

النقد مطلوب؛ شريطةَ أن يكونَ صادقًا وأمينًا، ولا يسعى إلى التشكيكِ, والتثبيط؛ وإنما يسعى إلى علاجِ أوجهِ القصور.

والقراءة النقدية تُكوِّن الشخصية المُستقلّة، الشخصية المستبصِرة التي يصعُب احتواؤها.

العقلية النقدية تجيدُ التمييزَ بين الأشياء، ويصعُب غوايتُها بفكرِ العنف, والتطرّف، وكافة أشكال الفكر الضّال, والمُنحرِف.

والعقلية النقدية لا ترضى بسلبياتِ الواقع؛ وإنما تسعى إلى التغلُّب عليها وعلاجِها.

انفتاحٌ لا انْغِلاق

واجبُ الأبوين تعليمُ أبنائِهما ثقافةَ الانفتاح على الآخر، وعدم التقوقُع على الذات.

والانفتاح الثقافي يحدُث عندما يعتقدُ الإنسان أن كلّ واحدٍ من الناس عندَه جزءٌ من الحقّ؛ وبالتالي فلا بدّ من التواصل مع الجميع؛ من أجل الحصول على أفضل ما عندَهم من مناهجَ, وبرامجَ, وطُرُقِ تفكير.

ويجب الإشارة هنا إلى أن الصحوة الإسلامية في بلادِنا حينما اشتبكت مع التيارات اليسارية، أخذت منها الاهتمام بجانب العدالة الاجتماعية, وقضايا الجماهير, والعمل النقابي والطلابي، وحينما اشتبكت مع الليبراليين أخذت منهم الاهتمام بالحريات العامة.

ونحن لا نقصدُ بأن كلّ أحدٍ من الناس عندَه جزءٌ من الحقّ، أن ذلك في أمور الدين، لا، هذا أمرٌ محسومٌ عندنا؛ لكن جوانب الحقّ التي نقصدُها هي جوانب, وطرائق التعامل مع الحياة، وتطوير إدارتنا لشؤوننا، وتنميتنا لثقافتنا.

التواصُل مَعَ العَالَم

وعلى الأسرة المسلمة، وخاصّةً الأم، توجيه أبنائِها إلى التواصل مع الأدب, والفكر، والثقافة العالمية، والاطلاع على أفضل ما يُنتِجُه الغربُ, والعالم؛ بشرط ألاّ يكونَ فيه إباحيّة، وتشكيكٌ يؤثر سلباً على وجدان الأبناء.

ففي الغرب مثقفون, ومفكرون, وأدباء, ومؤرخون يتسمون بحسٍّ إنسانيٍّ راقٍ، ونحن نتعامل معهم تواصلاً مع الضمير الإنساني المشترك، الذي لديه اهتماماتٌ مشتركة؛ حتى نستطيعَ إثراءَ تجربتنا المعرفية, وتطويرِها، واكتسابَ خِبراتٍ جديدة.

فإذا استطاع الابن أو الابنة القراءة لهؤلاء بلغاتِهم الأصلية، فهذا خيرٌ؛ وإلاّ فالكتب المُترجَمَة هي الحلّ.

أدبُ الاخْتِلاف

إذا سار الأبناء على هذا النهج في تحصيل ثقافتِهم؛ فسوف يحدُثُ التنوّع لا محالة، وسينتج عنه اختلاف مع غيرِهم من الناس، وهنا ينبغي إرشادهم إلى جملةٍ من أدبِ الاختلاف.

فعليهم احترام من يخالفُهم, وعدم التسفيه من رأيه، والردّ عليه بأدب، وحصر أوجه الاتفاق أولاً, والتأكيد عليها، ثمّ تحرير مواضع النزاع, والخلاف.

فإذا استمع الطَرَف المُخالِف, وأحسن الحوار فبها ونِعمَت، وإلاّ ينتهي النقاشُ بأدب.

كما يجب أن يؤمنَ الابن, والابنة أن ما يعتقده من أفكارٍ قد يكونُ خطأ؛ ولهذا كانت مقولة فقهائِنا الذهبية هي:

"رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب".

عقلانِيّةٌ ورُشْد

وصلنا الآن إلى مستوًى ثقافيّ، رفيع ينبغي أن ينتجَ عقلانيةً ورُشدًا في التفكير، والسلوك، وهذا يعني إسقاط وسائل التفكير العاطفي والقبلي، وإعلاء وسائل التفكير العِلمِي العقلاني، الذي يُحلِّلُ الموضوعَ, ويُحدِّدُ أصولَه وثوابتَه, وفروعه، ثم يُحدّدُ عِلاجَه حسب ذلك.

ونعتقدُ أن ذلك مُعينٌ على التغلُّب على مشاكلِ الواقع المختلفة، وعلى الخلافات التي تحدُث مع الناس.

ولا يُتصوّر من مثقّفٍ بهذا المستوى أن يصدُرَ منه سلوكٌ غيرُ لائقٍ؛ لأن ذلك يقدحُ في الثقافةِ كلّها.

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: (الدين المعاملة) .

ورأسُ الرُشد, والعقلانية في هذه الثقافة أنها تُحصِّنُ الأبناءَ من التطرُّف, والغلو، اللذين ينتُجان من ضحالةٍ في الثقافة، وفقرٍ في الفكر، ومعرفةِ وجهٍ واحدٍ من الحقيقة.

أما الشاب الناقد، المعتدل، عميق الثقافة، الرشيد في فكرِه، فمستحيلٌ أن يقعَ في هذه الهاويةِ السحيقة.

اندماجٌ لا عُزلَة

الأسرة المسلمة حريصةٌ على أن تعالجَ ما وقعت فيه الصحوة الإسلامية من مشكلاتِ جماعاتِ الانعزال عن الواقع؛ لذلك فهي توجِّه أبناءَها إلى أنهم جزءٌ من أمتِهم، ومجتمعاتِهم؛ فالجماعة هي الأمّة كلّها وليس التنظيم الصغير، والولاء هو لهذه الأمّة كلّها.

ويجبُ أن نُعلّمَ أبناءَنا كيف يثقون في أمّتِهم ويحبونَها، ولا يتعالون عليها، وإنما يخدُمون الناسَ ويحترمونهم، ويحضرون أفراحَهم, وأحزانَهم، ويُخفِّفون من متاعبِهم، ويتفاعلونَ معهم.

ومن أجلِ ذلك؛ فإن الثمرة النهائية المرجوّة من هذا الشاب المثقف الذي نُعدّه، هو أن يضعَ يدَه على عواملَ ضعفِ أمّتِه ويحلِّلها ويردّها لأسبابِها، وفي الوقت نفسه وبعدَ أن يكونَ قد قرأ زُبدةَ حضارة الغرب, وعرف نِقاطَ قوّتِها, وتميُّزِها؛ عليه أن يجعلَ من أولوياتِه اقتراح الحلول؛ لعلاج أزماتِ الأمّة التي يحبّها، والتي يتطلّع إلى نهضتِها وعزّتِها.

د / ليلى بيومى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت