عبد الرحمن العقل
يفدح المصاب ويزداد البلاء على هذه الأمة، وتشتد طوارق الإحن عليها، وتمتد سحائب الفتن على أجيالها، وتتراكم أجواء التمحيص لأبنائها حين يكون خصامها في مسلّماتها، ونزالها في ثوابتها وأصولها.
"إن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، وتجيء فتنة فيرقق بعضها بعضاً، وتجيء فتنة فيقول المؤمن هذه مهلكتي، ثم تنكشف، وتجيء الفتنة؛ فيقول المؤمن هذه هذه" [أخرجه مسلم في الأمارة عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-] .
إن أعظم فتنة، وأقسى زلزلة تواجه الجيل الصاعد في هذا العصر، زلزلة الثوابت، وتشكيك شرائح من منهزمي هذه الأمة في معاقد عزها، ومقاعد ثبوتها وبقائها.
ويقبح الأمر أكثر، وتتصاعد الظلمة وتمتد حين يترجم هؤلاء ما لديهم إلى واقع ملموس، ووضع محسوس، وحين يتخطون التنظير بالأقوال إلى التنفيذ بالأفعال، وهذا ما صدم به هؤلاء المجتمع السعودي في هذه الأيام حينما اجترؤوا على خطوة كبيرة نحو الوراء في مناهج التعليم، بهدف غربلة المجتمع، وبت الصلة بين ناشئته وبين أصولهم وعقائدهم.
إنها الخطوة الجريئة الكبيرة للتمهيد لمشروع أكبر، وهو تغريب الأفكار، وصياغة الإسلام على النظر الأمريكي وهيكلة المجتمع على ما تهواه الأم الحنون.
إنه تحقيق مطلب في سلسلة مطالب تنادي بها هذه الأم.
ورغم النداءات المتعددة من النصحة - قديماً وحديثاً- في التأني والتريث؛ إلا أن القاضي في مجلس الكونجرس قد أصدر حكمه سريعاً، فقطعت جهيزة قول كل خطيب.
ولكن أغلقوا الأسماع عنا وأبدوا ضدنا عقداً دفينة
وأنذرناهم الطوفان لكن أبوا إلا حمى الأسس الحصينة
فلما أن قطعنا بعض شوط إذا بالبعض يخرق في السفينة
نهرناهم عن التخريب لكن أجابوا إن فعلتهم جميلة
فماذا يصنع الإنسان فيهم إذا كانت نصائحنا مهينة؟
فلله الشكاية في غريب يرى طرق السلامة ضد دينه
جاء في تقرير اللجنة الأمريكية المكلفة من مجلس الكونجرس بدراسة وفحص أكثر من تسعين كتاباً مقرراً في مختلف المراحل الدراسية في السعودية، جاء من ضمن فقرات التقرير:
1)إن التعليم السعودي يقوم على الإسلام، والدراسات الإسلامية تشكل جزءاً رئيساً في هذه المقررات حتى الكتب العلمية تشير إلى الإسلام.
2)السعوديون يقولون: إن الإسلام هو أساس الدولة والمجتمع والقضاء والتعليم والحياة اليومية.
3)إنهم يصفون المسيحيين واليهود بأنهم كفار، وأنهم أعداء الإسلام.
4)المناهج السعودية لا تعترف بأي حق لليهود في فلسطين وأرض إسرائيل.
5)في المناهج السعودية تركيز على فصل النساء عن الرجال، وحجاب المرأة.
6)هناك آيات قرآنية كثيرة عن حجاب المرأة، وأهمية الالتزام به، وما تقوم به بعض النساء من كشف أجسامهن لرجال غرباء هو ذنب كبير.
7)حديث نبوي أثار كثيراً من النقاش عن اليهود، يقول:"لن يأتي يوم القيامة حتى يقاتل المسلمون اليهود.. حتى يختفي وراء شجر أو حجر" [انظر مجلة البيان العدد (188) 4/1424هـ] .
هذه هي نظرة هؤلاء إلينا وإلى مناهجنا، إنها مساومة وقحة على ديننا وعقيدتنا، إنهم ينزعجون حتى من ذكر الإسلام في مناهجنا.
أيها الأحبة:
هذه بعض الملامح التي تدل على معالم التغيير الأمريكي الجديد الذي يصب لصالح اليهود أولاً، والنصارى ثانياً، ولن يكون هو نهاية المطالب، ولا غاية الرضا عند هؤلاء وأولئك، فحتى لو أُعطوا كل ما يطلبون من التغيير؛ فلن يرضوا بذلك، أو يقنعوا به، لأنه لا حد للجشع اليهودي، ولا سقف للمطالب الصليبية.
(ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) (ودوا لو تكفرون كما كفروا) (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا) .
إن مما يؤسف له كثيراً أن عدداً من النخب الثقافية والإدارية في مجتمعنا لديه الاستعداد التام -خوفاً أو طمعاً- لقبول خطة الأمركة التعليمية، ولا مانع لديه لقبول مشروع التغيير كاملاً أو مجزَّءاً.
إن المرحلة القادمة حرجة وفظيعة بكل المقاييس، وربما شهدت معركة ضارية على ديننا وبلادنا، وعلى قيمنا وثوابتنا، وسيكشف كثير ممن يسمون أنفسهم بـ (الليبراليين) عن حقيقة ثقافتهم، وجذورهم، ونحسب أن هذا التيار سيكون الأداة الطيعة الذي سيستخدمه العدو في اختراق الأمة، وتسويق مشاريع الثقافة الأمريكية، وبسط هيمنتها على مراكز الرأي ومصادر التأثير.
وباسم الإصلاح والتطوير ونحوها من الكلمات الجذابة والمصطلحات البراقة، يرفع هؤلاء لواء الإفساد ومشروع التغريب والتخريب.
وليس هذا بدعاً من هؤلاء المتغربين والمتأمركين، فلقد قال الله عن أسلافهم من قبل: (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون* ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون) .
إن قضية تغيير المناهج التعليمية في المنطقة الإسلامية لم تفتر أبداً منذ معاهدة (كامب ديفيد) ، مروراً باتفاقيات مدريد؛ إلا أن هذه القضية اشتد الإلحاح عليها بله التهديد لأجلها في هذه الأيام، بعد أن طفت على السطح زمناً.