فهرس الكتاب

الصفحة 4814 من 27364

بقلم الاستاذ ؛ هاني السباعي

مدير مركز المقريزي للدراسات التاريخية

تقدمة:

كان لطه حسين السبق في إبراز أحداث النشاز في التاريخ الإسلامي ؛ ففي سنة 1946 نشر مقالة في مجلة (الكاتب المصري) (2) بعنوان (ثورتان) حث فيها طه حسين الأدباء والمثقفين العرب على استلهام ثورة الزنج كما استلهم الأوربيون ثورة (سبارتكوز) بغية الوصول إلى العدالة المنشودة على حد زعمه ومن ثم فقد فتح طه حسين شهية العلمانيين وخاصة الماركسيين والشيوعيين ومن يسمون أنفسهم اليسار الإسلامي!، وأرباب المدرسة الإعتزالية للنيل من الإسلام بحجة البحث والإبداع وإيصال الماضي بالحاضر!

وفي منتصف الخمسينات نشر فيصل السامر شيوعي عراقي كتابه (ثورة الزنج) وفي سنة 1961 نشر اللبناني اليساري أحمد علبي كتابه (ثورة الزنج وقائدها علي بن محمد) .. ثم ألف د. محمد عمارة كتابه (مسلمون ثوار) .. كتب فصلاً مطولاً عن صاحب الزنج وتعاطف معه وحسن صورته وبيض فتنته عكس من سبقه من الكتاب!!

فمثلاً: الكاتب أحمد علبي ذكر أن لصاحب الزنج وثورته سلبيات.. أما الدكتور عمارة فلم يثبت هذه السلبيات أقصد الجرائم التي ارتكبها صاحب الزنج في حق الإسلام ثم توالت الكتابات حيث نشر معين بسيسو مسرحيته الشعرية (ثورة الزنج) .. وكتب نور الدين فارس مسرحيته الشعرية (لتنهضوا أيها العبيد) .. ثم عاود أحمد علبي الكتابة عن صاحب الزنج فنشر سنة 1985 كتابه (ثوار وعبيد) .. وفي سنة 1995 صدر كتاب (شخصيات غير قلقة في الإسلام) لهادي العلوي وخصّ صاحب الزنج بفصل كامل وسار على درب من سبقه من يساريين وعلمانيين!!

وبعد.. فكل هذه المؤلفات تدندن حول التمجيد والإشادة بثورة علي بن محمد صاحب الزنج، والإنتصار له حيث كان في نظرهم كان ضحية لمؤامرة تاريخية كبرى!!

أما الكتاب الإسلاميون فلا تكاد تجد كتابة حيثة عن صاحب الزنج وفتنته تعالج هذه القضية من منظور إسلامي بحت؛ لا من وجهة نظر ماركسية أو علمانية أو قومية.. وقد يرجع ذلك إلى أن كتب التاريخ الإسلامي المعتمدة قد حسمت هذه القضية التاريخية بما فيه الكفاية.. بل إن علماء الإسلام على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم قد اتفقوا على تضليل وتفسيق هذه الفتنة التي يطلق عليها العلمانيون (ثورة الزنج) !! ولكن لما دعت الحاجة إلى دحض شبهات المبطلين الطاعنين في الإسلام وعقيدته تحت ستار الدفاع عن صاحب الزنج والتعاطف معه .. قمنا بكتابة هذه المقالة مساهمة منا في وضع لبنة لبناء جبهة تاريخية ترد على شبه المرجفين.. ودعوة الغيورين على تاريخ الإسلام أن يساهموا في الذب عن تاريخ أمتنا التليد حتى يستبين الحق من الباطل.. ويظهر الغث من السمين..

بعد هذه التقدمة أشرع في النقاط التالية:

أولاً: أقوال بعض العلماننيين ومن على شاكلتهم في صاحب الزنج:

يقول أحمد علبي:"أما الدافع الذي حملنا على انتقاء ثورة الزنج بالذات؛ فهو أن هذه الثورة تلقي نوراً كاشفاً على طبيعة العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية خلال القرن الثالث الهجري في الدولة العباسية؛ بالإضافة إلى أنها حلقة لاهبة من الثورات التي اجتاحت بلدان الخلافة في كل قطر من أقطارها، بحيث إن دراستها بعث لتراثنا الثوري، واحياء فكري لنضال العبيد الزنج في سبيل الخبز والحرية" (3) .

ويتساءل علبي:"ولكن هل يعتقد القارئ أن الثورة انتهت إلى لا شئ؟ إن كل ثورة مهما أصابت من النجاح الضئيل أو الفشل الذريع، هي وقود لثورة قادمة ومعركة تحريرية تالية.. فالثورة المخفقة تنجح في تبيان أخطاء اخفاقها.. وتقود إلى ثورة أمضى.. وثورة الزنج كانت، على الأرجح، مهمازاً لثورة القرامطة وغيرها من الثورات التي شملت العالم الإسلامي في القرن الرابع الهجري" (4) .

(1) سورة النساء [ 66 ] .

(2) الكاتبب المصري مايو 1946 ص537 ، ص553 .. ونشر تلك المقالة في كتاب: ألوان لطه حسين /دار المعارف/ مصر/ص164 ، ص187.

(3) أحمد علبي: ثورة الزنج وقائدها علي بن محمد /دار الفرابي بيروت/ط جديدة 1991/ص10.

(4) أحمد علبي: المرجع السابق/ص170: ص171.

ويقول أدونيس:"يتضح مما تقدم أن ثورة الزنج هي من جهة؛ ثورة عبيد على أسياد، وأنها من جهة ثانية؛ وعد بحياة كريمة يملكون فيها ملك أسيادهم، وأنها من جهة ثالثة؛ ذات قيادة من طبيعة نبوية فهة لم يخرج لعرض من أعراض الدنيا كما أعلن وإنما خرج (غضباً لله) ، ولما رأى عليه الناس من فساد في الدين... وقد استمرت حركة الزنج أربع عشرة سنة، بين سنة 255هـ وسنة 270 هـ السنة التي قتل فيها علي بن محمد، وكانت في أساسها ثورة فقراء مسحوقين على أسياد طغاة ظالمين" (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت