أجبنا في الحلقة الماضية على السؤال المختص بالدوافع الأمريكية لغزو العراق ، وأكدنا على أن الدافع الأهم والأقوى هو الدافع العقدي ، وتناولنا منه ثلاثة جوانب فقط ، ولا زلنا نؤكد أن الدافع الأهم للغزو الصليبي للعراق هو الدافع العقدي ، ولو انفرد الدافع الاقتصادي أو السياسي لما استدعى ذلك خوض حرب دون أدنى مبرر ، ولأمكن الوصول إلى المصالح السياسية أو الاقتصادية دون الحاجة لخوض حرب ، كما هو الحال في جميع دول العالم التي تتبادل المصالح الاقتصادية والسياسية دون الحاجة لخوض حروب .
أما السؤال الثاني في قائمة أسئلة الحلقة الأولى فهو:
س2: ما مدى تأثير عدم وجود مبرر سياسي لغزو العراق على الأداء الصليبي في الميدان ؟ .
ج2: هذا السؤال مهم جداً لأن التأثير سيبقى ملازماً للصليبيين على عدة أصعدة ولفترات طويلة .
وللإيضاح نقول ، لقد حاولت أمريكا وبريطانيا وباستماتة منقطعة النظير إيجاد مبرر سياسي أو أخلاقي لغزو العراق ، ومع شدة محاولاتها وضغطها على الأمم المتحدة وعلى مجلس الأمن وعلى الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن ، إلا أنها فشلت في تحقيق ذلك المبرر المطلوب لغزو العراق .
إلا أنها تمكنت من استصدار قرار 1441 والقاضي بنزع أسلحة الدمار الشامل العراقية وعودة المفتشين ، وبدأ تنفيذ القرار وأقر العالم كله بما فيهم بلكس والبردعي رئيسا لجنة التفتيش بأن العراق متفاعل مع هذه القرار وأنه لم يحاول أبداً إعاقة عمل المفتشين ، علماً أن من شروط التفتيش أن أي تعطيل لمدة نصف ساعة من قبل السلطات العراقية للمفتشين عن دخول أي موقع يعد خرقاً للقرار ، إلا أن العراق انصاع للقرار وتم التفتيش حتى قدم بلكس والبردعي تقريرهما الخجول وبينا أن العراق خال من أسلحة الدمار الشامل ، وكإرضاء لأمريكا طالبا بإعطاء وقت أطول لعمليات التفتيش ، إلا أن المحصلة أن المفتشين لم يثبتوا شيئاً ضد العراق مما يخدم أمريكا .
وقد حاولت أمريكا وبريطانيا إمداد المفتشين بمعلومات استخباراتية عن أماكن تخزين أسلحة الدمار الشامل في العراق إلا أن المعلومات كانت خائبة كالعادة ، وتم تزويد المفتشين بطائرات استطلاع أمريكية للكشف عن أماكن تخزين أسلحة الدمار الشامل ولكن دون جدوى ، وقد ذكر بلكس رئيس لجنة التفتيش أن أمريكا حاولت تزويده بوثائق مزورة تثبت أن العراق قد اشترى اليورانيوم من النيجر ، إلا أنه تم اكتشاف هذه الكذبة ، ثم جاء بعدها تقرير باول وزير الخارجية الأمريكي والذي زعم فيه أنه يمتلك معولمات استخباراتية تؤكد امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل ، إلا أن التقرير المسروق كان مثاراً للسخرية من هذا الوزير الحاذق ، وتلته محاولات بلير رئيس الوزراء البريطاني لإثبات شيء إلا انه فشل ، ونافح البريطانيون والأمريكان في كل محفل عن رأيهم بأن العراق يمتلك أسلحة الدمار ولكن فشلوا في كل ذلك .
ثم توجهوا إلى حجة أخرى وهو أن صدام دكتاتور ويهدد شعبه ومجرم حرب ومخالف لأربعة عشر قراراً من قرارات الأمم المتحدة الصادرة بحقه ، وأنه متعاون مع الإرهابيين ، وحاولوا التحول إلى هذه الدعوى ، وأبدوا قدراً من التعاطف الإنساني مع الشعب العراقي لينقذوه من صدام ، ولكن لا مجيب لهم ، ونسوا أن حصارهم للعراق لمدة 12 عاماً قد قتل من العراقيين أكثر من مليون وسبعمائة ألف ، سوى من أصيب بالسرطان والأمراض المزمنة من جراء استخدام اليورانيوم المنضب في حرب الخليج الثانية ، أضف عليهم من أصيبوا بنقص حاد في التغذية بسبب قلة الغذاء والدواء في العراق من آثار الحصار ، فيصل عدد المتضررين من هذا العدوان إلى ربع سكان العراق تقريباً ، ومعنى هذا أن دعواهم في إنقاذ شعب العراق من صدام لدافع إنساني ، يستلزم أن يكفوا هم عن قتل شعب العراق بالحصار وعلى أسوأ الأحوال فلن يقتل صدام من شعب العراق أكثر مما قتلوا .
أما دعواهم بأن صدام مخالف لقرارات الأمم المتحدة ،فيلزم من هذا أن كل مخالف لقرارات الأمم المتحدة يجب على أمريكا أن تشن حرباً عليه لينصاع لقرارات الأمم المتحدة ، وبالمقابل فإنهم لا يمكن أبداً أن يثبتوا أن اليهود انصاعوا لقرار واحد من قرارات الأمم المتحدة الصادرة ضدهم ، فهم ينقضون قراراً تلو قرار ولم تفكر أمريكا في انتقادهم أو اتخاذ قرار ضدهم ، بل على العكس من ذلك فهي تدعمهم وقد دافعت عنهم في مجلس الأمن ورفعت حق النقض الفيتو أكثر من أربع وعشرين مرة لإبطال القرارات التي تصدر ضد اليهود ، فما بال صدام يجب شن الحرب عليه لمخالفته لقرارات الأمم المتحدة ؟ واليهود يدافع عنهم بحق النقض ولم يطبقوا قراراً واحداً ؟ علماً أنهم قتلوا من الفلسطينيين وشردوا أكثر مما قتله صدام وشرده من العراقيين ، كما أنهم يمتلكون أسلحة الدمار الشامل ويعلنون بذلك ولا يستخفون .