فهرس الكتاب

الصفحة 19629 من 27364

إنَّ الحمد لله, نحمده ونستعينه, ونستغفره ونتوب إليه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا, وسيئات أعمالنا, من يهدي اللهُ فلا مضل له, ومن يُضلل فلا هادي له ، وأشهدُ ألا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وتابعيهم وسلم تسليماً كثيراً .

عباد الله:

اتقوا الله فهي وصية الله إليكم, وهي خير لباسٍ في الدنيا, وخير زادٍ إلى الآخرة.

(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) ) (الحشر:18) .

(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * ُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) ) (الأحزاب: 71,70) .

أيها المؤمنون:

لقد جاء الإسلام بأعظم مباديء العدل والحرية وأصدقها ، وجاء بحير قيم التضامن والإخاء وأعمقها ، وإذا كان من شأن الإسلام أن يحقق لأتباعه سعادة الدارين فهو كذلك يضمن لغيرهم الحرية والأمن والاستقرار ولا يكرهكم على دين ، ولا يهضم لهم حقاً بل لهم البر والقسط وحسن الجوار وكرم المواطنة ، وذلك بشرط أن يكفوا أيديهم وألسنتهم وأن لا يعيقوا تقدم الدعوة أو يحجبوا نورها عن أحد . فلم تكن التعددية الثقافية معضلة تحتاج إلى حل ، ولم تكن تنوع الأعراق واختلاف الاتجاهات قضية تحتاج إلى نقاش وحوار . ففي أول سنواته في المدينة استطاع الإسلام أن يقدم أروع نموذج للميثاق الوطني العادل المنصف وأكمل صورة للتفاهم الحضاري بين أنواع من التكتلات البشرية التي كانت تعاني عمق الفجوة ، وقسوة الجفوة ، فقد جاء الإسلام إلى أهل المدينة وكان فيها عرب ويهود وكان العرب منقسمين على أنفسهم بين أوس وخزرج وجاءت فئة رابعة وهم المهاجرون ثم انشقت فئة خامسة بين تلك الفئات وهم المنافقون فانظر . إلى حدة الانقسامات وتنوعها وخطورتها على المصلحة الوطنية العامة وكانت دولة الإسلام آن ذاك حديثة التكوين تعاني ضعف البدايات نواقص النشأة الأولى .

فكيف استطاع الرسو صلى الله عليه وسلم أن يجنب تلك المركبة أخطار الصراعات ، وعواقب الانقسامات، كيف استطاع أن يردم وجوه الطبقية أو أن يحل مشكلة اختلاف الدين ، أو أن يتجاوز معضلة القبلية، ثم صاغ مجتمعاً متكاملاً متوازناً وعاشت كل فئة ناعمة بكامل حريتها ، مصونة الحق ، لم يلغ لها أصل أو دين ، لها حق التعبير عن وجهة نظرها ، ولها كامل الحرية في مزاولة أنشطتها التجارية والاجتماعية بل والدينية وذلك فيما يخص اليهود والمسلمين أليست تجربة حرِيّة بالدراسة والتأمل ، جديرة بالاستنساخ والتأسي، وذلك لأنها أنموذج صاغه الله عز وجل على يد رسول صلى الله عليه وسلم فهي شرع لا شك فيه ولأنها جيدة التمثيل للتعددية الثقافية والتنوع الحضاري ، ولأنها نجحت باعتراف المؤرخين وعلماء الاجتماع وخبراء السياسة .

ولنتوقف أولاً عند قضية اليهودية والإسلام لأنها كانت هي الفجوة الأوسع والأعمق في ذلك المجتمع فقد جاء الرسو صلى الله عليه وسلم مهاجراً إلى المدينة وكانت بعض أحيائها مسكونة باليهود منذ أزمنة بعيدة واليهود أهل مجد قديم ، وتاريخ عظيم ، وأهل خلفية ثقافية ثرية مميزة ، وفوق ذلك كانوا ينتظرون النبوة فيهم فكانوا لا يرون العرب شيئاًً فلما اختار الله رسول صلى الله عليه وسلم من قريش ثارت ثائرة الحسد في قلوبهم ، ونزعوا إلى التكذيب والمناداة - إلا قليل منهم -وعلى ذلك كله فاجأتهم ركائب المهاجرين تحط إلى جوارهم وتساكنهم ، ومساجد الإسلام تقوم على مشهد منهم فكان الخلاف بين اليهود والمسلمين حاداً عميقاً خطيراً تصعب السيطرة عليه ومع ذلك توصل صلى الله عليه وسلم إلى صيغة تفاهم تعد ميثاقاً وطنياً أخلاقياً عظيماً بكل الموازين حفظ لكل فئة حقها، وصان لكل قوم مصالحهم ، وضمن للجميع الكرامة والأمن والاستقرار، وقد كان أبرز بنود الصحيفة التي كتبها الرسو صلى الله عليه وسلم مع اليهود: أن بينهم النصر من حارب أهل هذه الصحيفة . وأنهم بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم ، وأن النصر للمظلوم ، وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة ، وأنه لا تجار قريش ولا من نصرها ، وأن بينهم النصر على من دهم يثرب ، وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم وكان أعظم بنود الصحيفة وأكبر مرتكزات الميثاق بنده الذي يقول وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله عز وجل والى صلى الله عليه وسلم هذا الميثاق التاريخي العظيم صاغ من أهل المدينة الممزقة مجتمعاً متحداً لا يظلم فيه ضعيف ولا يضار صاحب حق .

ولو تأملنا هذا التفاهم والحوار الوطني الذي قاد صلى الله عليه وسلم لأمكننا تلخيصه في مجموعة قواعد أولها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت