فهرس الكتاب
عهد التناصر والعون والمساندة وأول أبوابه وأبجدياته عدم الاعتداء والكف عن الإيذاء ، وذلك حرصاً على الأمن والاستقرار فهو توظيف للخلاف لتحصيل القوة والمنعة وتحقيق الطمأنينة فرغم عظيم الاختلاف إلا أن الأمن يظل مطلباً ملحاً على كل الفرقاء المساهمة في إرساء دعائمه وحفظه فزعزعة الأمن ليست في مصلحة طرف دون طرف ، وكان من لوازم ذلك أن تؤكد مذكرة التفاهم على التحذير من الاتصال بالعدو الخارجي أو الاستقواء به .
ومعنى ذلك أنه لن ينجح أي تفاهم وطني أو ميثاق محلي ما دام بعض أطراف يديه اليسرى لبلاده واليمنى إلى أعدائه لسانه مع إخوانه وقلبه مع الغزاة . ولذلك أكدت الصحيفة أن لا تجار قريش ولا من ناصرها .
فالله قد أقر الإحسان للكفار بل أمر به وبالقسط إذا التزموا المسالمة (( لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) ) (الممتحنة:9) .
كما كان من أعظم قواعد الميثاق الوحدوي العظيم أنه عندما يحدث خلاف بين الفرقاء أو تنشب مشكلة بين المتحالفين فإن مردها إلى الله ورسوله .
وهذا البند لا يحفظ حق فئة معينة ، ولا يصب في مصلحة طائفة محددة ، إنه حفظ لحق الله عز وجل في التشريع والحكم يقول عز وجل"إن الحكم إلا لله"أي ليس لأحد حق الحكم والفصل بين الخصوم ولا في القضايا الخلافية إلا لله وحده بشرعه وكتابه وسنة نبي صلى الله عليه وسلم والداهية الدهياء ، والمصيبة العمياء ، هو ذلك الانحراف الذي أصاب فكر المجتمعات فباتوا يحسبون النزوع إلى القرآن والدعوة إلى الاحتكام إلى الوحي أنه انحياز لمنهج فئة الإسلاميين على حساب غيرهم ، فالإسلام ليس هو الإسلاميون .
الإسلام شرع الله وحكمه أنزله للناس كافة عربهم وعجمهم أبيضهم وأسودهم كافرهم ومؤمنهم .
يقول سبحانه: (( إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً ) ) (النساء:105) .
فالحكم لله وحده فيما اختلف الناس فيه ولا يلغي حق الله في الحكم بخجة الأغلبية في نظام التصويت أو غير ذلك من الأساليب التي ابتدعتها ثقافة الكفر لتنحية شرع الله .
نعم للمجتمعات أن تحسم أمور دنياها بما تشاء من أنظمة ، ولكن ليس لها الحق أن تصوت على شيء حكم فيه الله وحسمه في كتابه وسنة نبي صلى الله عليه وسلم ، لقد جاءت قاعدة الرد إلى الله ورسوله في صحيفة المعاهدة لتحفظ حق الطرفين وليست لمصلحة المسلمين دون اليهود ، ولذلك كان اليهود يرون مصلحتهم في ذلك فكانوا يحتكمون إلى الرسو صلى الله عليه وسلم حتى فيما يشجر بينهم أحياناً ... بهذه المرجعية الربانية الواضحة الحاسمة وعليها أسس الرسو صلى الله عليه وسلم الميثاق الوطني ، وصنع معجزة التلاحم بين فئات كانت لا يمكن أن تجتمع على عهد لو لا أنه هدى الله الذي هدى إليه رسول صلى الله عليه وسلم: (( وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً ) ).
الخطبة الثانية
واعلموا أن مصالح الدنيا يمكن أن تتقاسمها المجتمعات والأفراد ، ولكن قضايا الشرع والدين وأخلاقيات الأمة وهويتها لا يمكن أن تكون مقسمة ولا موزعة ، تلك أمور لا بد أن تكون أحادية المستند والمصدر والمرجع ، وليس لأي فئة أو طائفة أو اتجاه أن يجتهد في صناعتها، أو أن يبتكر في تكوينها ، فالله قد نزل القرآن العظيم ليكون حكماً على الناس أجمعين ، ولا يعني ذلك مصادرة حقهم في التزام دينهم ، ولكنهم يلزمون بالاحتكام إلى الله ورسول صلى الله عليه وسلم إذا شجر بينهم خلاف وبين المسلمين .
تلك كانت هي قاعدة العهد الذي بين رسول ا صلى الله عليه وسلم وبين اليهود ، وفي ظل الالتزام بها عاش اليهود آمنين.
يروي التاريخ أعاجيب القصص عن ثقتهم برسول ا صلى الله عليه وسلم واحتكامهم إليه ورضاهم بقوله وسعادتهم بعدله .
أما طبيعة الوفاق الذي صاغه الرسو صلى الله عليه وسلم بين المسلمين على اختلاف قبائلهم وأوطانهم وأعراقهم فلا تسل عن روح الإخاء التي بناها الرسو صلى الله عليه وسلم بينهم حتى بات الخزرجي يستنصر بالأوسي فكان الإسلام برمته ميثاقاً غليظاً بين تلك الأعراق أما بنود هذا الاتفاق فكان قول صلى الله عليه وسلم: (( يأيها الناس ، أفشوا السلام ، وأطعموا الطعام ، وصلوا الأرحام ، وصلوا بالليل والناس نيام ، تدخلوا الجنة بسلام ) ).
وقوله: (( لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه ) ).
وقوله: (( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"وقوله"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) ).
وقوله (( المؤمنون كرجل واحد إن اشتكى عينه اشتكى كله وإن اشتكى رأسه اشتكى كله ) ).