[الكاتب: حسن محمد قائد]
تبرز من حين إلى حين آلهة تطغى على الناس ، وتكون لها الكبرياء والسيطرة المادية أو المعنوية على قطاع كبير من الخلق ، فطورا تكون تلك الآلهة متمثلة في قطع من الأحجار الصماء صنعتها ونحتتها أيدي عابديها ، وتارة تبرز وتتمثل في أشجار تملأ قلوب عبدتها خضوعا واستسلاما ومحبة ، وحينا ينال ذلك الوصفَ بشرٌ أو حزبٌ تنقاد له الجموع الغفيرة انقياد الأعمى لقائده .
ووراء هذه الآلهة كلها يكمن الإله الداعي إليها والمزين لها والمجمل لعبادتها في أعين الناس ألا وهو الشيطان والهوى ، قال الله تعالى {ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين} ، ويقول عن الهوى {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا ، أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا} .
ولعظم شر الهوى وسوء عاقبة من استسلم له وانقاد لداعيته لم يرد ذكر الهوى في القرآن إلا على سبيل الذم ، وما ذلك إلا لأنه لا يقود متبعه المنساق وراءه والمستسلم له إلا لكل ما هو مذموم ، وليس ثمة ذم للمرء أعظم من أن يكون عابدا لغير الله مشركا بربه ومولاه ، وهذا مما يبين وهم من يحسب أن الإله المعبود الذي قد يشرك به مع الله لا بد أن يكون مجسما محسوسا ملموسا كالأشجار والأحجار والبشر والصور وغيرها ، بل إن الأمر المعنوي يمكن أن يصير إلها معبودا من دون الله أو معه تنقاد له القلوب وتستسلم الأفئدة وتنصب الحروب وتخضع الرقاب كما هو الحال في الهوى ، كما قال سبحانه: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله} الآية.
وإذا أردنا أن ننظر في أحد أبرز الآلهة التي خضعت لها رقاب الكثيرين من الخلائق في هذا العصر سواء في ذلك كبراؤهم وصغارهم قادتهم وشعوبهم لتجلى ذلك في"الديمقراطية"، التي تشربت حبها القلوب ، ولهجت بذكرها الألسن ، وتفاخرت بعبادتها والتدين بها الدول ، وجردت لأجل نيلها أو نشرها وتحكيمها الأسنة ، ونبذت بسبب نبذها شعوب ، واشتغلت بمدحها وتزيينها والدعوة إليها الأقلام والصحف ، وسخرت الإذاعات مسموعها ومرئيها ، وأنفقت نفائس الأموال وكرائمها ، هذا الإله الذي اغتر به كثير من المسلمين وصاروا من الدعاة إليه المتشبثين بنهجه مغترين في ذلك بدعاوى مزخرفة ، وصخب هائم ، وتيارات هائجة وشعارات زائفة ، أغرقتهم في وحل الديمقراطية الآسن ومستنقعه المنتن حتى المشاشة تحت دعاوى الحرية العدالة والمساواة.
إن الأمة الإسلامية وهي تتجرع غصص المرارة ، وتلعق موائد الأسى من جراء تسلط أنظمة ديكتاتورية متغطرسة ، شعارها ولسان حالها ينادي على الملأ عبر أبواقها {أنا ربكم الأعلى} ،و {ما علمت لكم من إله غيري} ،و {أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي} ، بقيت تبحث عن بصيص أمل تخرج به من متاهات الظلمات الحالكة التي أحدقت بها من كل جانب ، وتنجو من القمع والبطش والإذلال والقهر والتنكيل الممارس عليها من تلك الأنظمة بالغدو والآصال ، وتتمنى الحصول على أدني حقوقها المنهوبة ، ونيل شيء من كرامتها المسلوبة ، فغدا حالها كالغرِق الذي يبحث عن ما ينقذه ولو كان قشة تتقلب بها الأمواج .
فلما طال الأمد بالأمة واستحكمت حلقات الظلم عليها وبلغ منها الجهد والقهر أيما مبلغ ، ضاقت بحالها ذرعا وعادت تتلمس أقرب مخرج وأدني منفذ ينجيها مما هي فيه ، وتستنشق منه شيئا من نفس الحرية والأمن ، وفي ذات الوقت كانت الدعاية العالمية بمؤسساتها الإعلامية الضخمة قد أوصلت النظام الديمقراطي أعلى المراتب ، وأظهرته على أنه المنقذ الوحيد للبشرية من ضيمها والمخرج لها من اضطهادها ، والكفيل بإعطائها حقوقها كاملة غير منقوصة ، والضامن لنيل حرياتها والتسوية بينها من غير حيف ولا إجحاف .
زد على ذلك ما رأته هذه الشعوب من تطبيق هذا النظام وافتتان الأنظمة والشعوب التي تبنته وأقامته واعتنقته به هذا مع ما انضاف إلى ذلك من عدم إدراك المفاسد العظيمة التي تضمنها هذا النظام الأرضي ، ومع انهيار النظام الشيوعي الذي أطبق العقلاء على مصادمته للفطرة البشرية وفشله الذريع في البلدان التي حكمها كافة .
فبهذه العوامل وغيرها كثير اتجهت كثير من الشعوب الإسلامية نحو ذلك النظام طامحة في الحصول على ما سلبه منها الديكتاتوريون .
ووجد بعض الطغاة المارقون أن في هذا النظام متنفساً لامتصاص امتعاض شعوبهم التي يحكمونها وتخديرها وشلها وأمن جانبها عن الثورة ضدهم ، فأظهروا انتماءهم لدعاته ومنظريه بل وللحاكمين به ، فأخذوا ذلك النظام بحذافيره من أهل الغرب المتهالك وسلكوا نهجهم حذو القذة بالقذة إلا أنهم اكتفوا فيه بالمظاهر واقتصروا على الظواهر ، وبقوا على حقائقهم وفي واقع أمرهم منتهجين سياسة {ما علمت لكم من إله غيري} ، وجعلوا دعاوى الانتماء لهذا النظام عصا غليظة ومقامع تطرق من أراد تغيير تلك الأنظمة بطرق تتناقض وهذا النظام واعتبر الخروج عن هذا النهج حجة دامغة تكفي للإدانة وإنزال أشد العقوبات وأنكاها بصاحبه.