فهرس الكتاب

الصفحة 21803 من 27364

ولو وقف الأمر عند تبني تلك الأنظمة الديكتاتورية لمسلك الديمقراطية ـ ولو ظاهرا ـ والتمسح بمسوحه ، وتقمص ألبسته ، لهان الخطب والمصاب ، فهم بذلك لم يزيدوا على أن ينتقلوا من كفر إلى كفر آخر ، ومن ظلمة إلى ظلمة .

ولكن ما يدمي القلب ويعد مصيبة حقيقة تستحق الوقوف عليها والتمعن فيها ، هو تبني بعض الحركات الإسلامية للمسلك الديمقراطي ظاهرا وباطنا واعتناقها له قلبا وقالبا ، بل والدعوة إليه والانتصاب للدفاع عنه ، والحث على سلوكه واعتباره الطريق أو القناة الشرعية الوحيدة التي يمكن من خلالها نيل بغيتنا ، والوصول إلى مقصدنا ، ومن ذلك إقامة دولة الإسلام على منهاج النبوة ، بل فوق ذلك التشنيع على من خرج عن هذه القناة"الشرعية"ونعته بأشد الألفاظ وأقساها والتبرؤ منه ، وأصحاب هذا المنهج لا يخفون ذلك أو يسرون به ، بل ينادون به جهارا نهارا ويبثونه وينشرونه عبر الإذاعات والصحف والجرائد في مقالاتهم ولقاءاتهم مما ساعد في انتشار هذا التوجه وتغلغله في قلوب الناس واقتناعهم به.

إننا إذ نقول هذا الكلام لا نرمي به جزافا ، ولا نقوله حدسا ، ولا نسطره تخمينا ، ولكنه الحقيقة المرة الأليمة التي استمرأتها النفوس فلم تعد عندها بذاك المنكر الذي يعبأ به أحد ، ولا بتلك البشاعة التي تنفر عنها وتبتعد منها ، وإنه والله - لو يعلمون - عظيم فهو أول ما يكون مسخ وتشويه لدين الله تعالى كلية .

وهو استبدال دين جديد بدين الله سبحانه وتعالى بكل ما تعني هذه الكلمة وتحمله من الدلائل ، {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين } .

وهو انبطاح واستسلام وخضوع وخنوع أمام هجمة الكفر الشرسة على شرع الله تعالى .

وهو تفلت من التكاليف وتنصل من الأعباء وتخل عن المبادئ والأصول بصورة مقيتة مهينة ، ومن ثم التفات إلى الدعة وبحث عن الراحة والركون للظالمين وارتماء تحت أقدامهم وعلى أعتابهم والتملق لهم لنيل رضاهم وكسب مودتهم .

وهو تهوين لعظائم الأمور وكبار المسائل المبتوتة التي لم تكن يوما ما مجالا للنقاش والجدل وإضعاف لها في قلوب الناس ، فأصبح الإسلام بقضاياه الكبرى ومسائله العظيمة غرضا لألسنة التافهين ممن تقمصوا للنيل منه أثوابا شتى"كالمفكرين والمحللين والمجددين"وغيرهم .

وهو تمييع للثوابت والعقائد والقطعيات وتمطيط لها لتوافق مجسم الديمقراطية الخبيث .

وهو فتح لباب الزندقة والإلحاد والمجون الخلاعة والفساد والإفساد وجعله جنبا إلى جنب مع دين التوحيد والنقاء والعفة والطهارة والصلاح والإصلاح .

وهو إعطاء للمسوغات والمبررات لما يقوم به كل ضال مضل أو علماني قذر أو شيوعي ملحد إذ العباءة تسع الجميع والكل فيها سواسية والحقوق مكفولة فلا فضل لمسلم على شيوعي أو نصراني أو يهودي أو علماني إلا بالقرب والولاء والالتزام بالنظام الديمقراطي .

وهو إلغاء وإزالة تامة للحدود والفواصل الواضحة الجلية بين سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين والتي جاء الإسلام ببيانها وإيضاحها والتحذير من خلطها وإدماجها .

وهو إماتة تامة لعقيدة الولاء والبراء والحب والبغض التي هي أوثق عرى الإيمان .

أليس هذا كله وزيادة هو حقيقة ما تدعو إليه الديمقراطية وتؤدي إليه مهما حاولنا أن نظهر محاسنها وننمق ثوبها ونجمل وجهها العبوس أمام الناس .

وأين أين دين الله الواضح الجلي الظاهر البين الساطع اللامع من هذه الترهات والظلمات الحالكات والدهاليز الملتوية ؟

وإلا فما هو موقع الولاء والبراء والحب والبغض في النظام الديمقراطي ؟

ما هو موقع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد واللسان في النظام الديمقراطي ؟

ما هو موقع إقامة الحدود وعلى رأسها حد الردة في النظام الديمقراطي ؟

ما هو موقع إقامة أحكام أهل الذمة بدءا بضرب الجزية وانتهاء بالشروط العمرية التي اتفق عليها العلماء؟

ما هو موقع القتال في سبيل الله بشقيه الطلبي والدفاعي في النظام الديمقراطي؟

وإذا كنا نقر بكل ما جاء من طرف هذا النظام ونمدحه ونثني عليه وندعو إليه وندعي مع ذلك كله أنه والإسلام لا يختلفان ولا يتنافران أو يتنافيان فإلى أي شيء ندعو الناس؟

ولماذا نبذل جهودنا في غير طائل ، ونضيع أوقاتنا دون مبالاة ، ونهدر طاقاتنا ونحن أحوج ما نكون إليها ، ونجري لاهثين وراء سراب لا ينتهي؟

لماذا لا نكون صريحين مع أنفسنا مستشعرين للأمانة العظمى المتمثلة في الحفاظ على نقاء وصفاء وتميز الدين الإسلامي بعقيدته وعباداته وشرائعه وشعائره ووسائله ومقاصده دون خلط أو لبس؟

أترى من قبل بهذا النظام وارتضاه له منهاجا هل أبقى لدينه الذي يدعو إليه شيئا ؟!

إن مما هو معروف لدى كل مسلم أن الغايات لا تبرر الوسائل ولا تجعل الباب مفتوحا للوصول إليها بأي سبيل كانت ، بل إن الشارع كما جعل المقاصد والغايات مصونة ومميزة لا تقبل التشويه والتحريف والخدش ، فكذلك السبل والوسائل الموصلة إليها لا تحتمل التشويه والتحريف والخدش بل هي مصونة مميزة ولها العناية الشرعية التامة المكافئة للعناية بالغايات .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت