بسم الله الرحمان الرحيم
جماعة القبيسيات بدأتها داعية مخلصة اسمها منيرة قبيسي، وهي خريجة من كلية العلوم ثم من كلية الشريعة في جامعة دمشق. وبدأت تدعو النساء للالتزام بالحجاب الشرعي وإلى الالتزام بفرائض الإسلام، في وقت كان السفور منتشراً جداً. وانتشرت الدعوة بشكل بطيء للغاية في البداية.
لكن الانتشار لهذه الجماعة حدث في نهاية الثمانينات من القرن العشرين، حيث تعرضت جماعة الإخوان المسلمين للاستئصال الكامل في سوريا، مما أدى إلى إيقاف أي نشاط دعوي في سوريا. وبقيت هذه الجماعة يشفع لها قليلا كونها جماعة نسائية، وكونها تسير بعيداً عن السياسة وبدون جهر. وانتشرت الجماعة إلى دول أخرى خارج سوريا مثل الكويت والأردن ولبنان. وفي لبنان برزت سحر حلبي فصرن يعرفن فيما بعد باسم السحريات، وبالطباعيات في الأردن وذلك نسبة إلى فتاة دمشقية الأصل تدعى فادية الطباع. وهذه التسميات (القبيسيات والسحريات ...إلخ) ما هي إلا من اختراع أعدائهن فهن لم يسموا أنفسهن بأي اسم. أي كما أن الوهابية لا يسمون أنفسهم بهذا الاسم وإنما هي تسمية أعدائهم.
عموماً فهذه الحركة حققت نجاحاً كبيرا في مجال الدعوة الإسلامية. وانتشرت إلى بلدان كثيرة جداً مثل الخليج واليمن وأوربا وأميركا وأستراليا وغير ذلك. وقامت بنشاط كبير في بناء مدارس إسلامية للأطفال (على مستوى عال جداًَ بعد دراسة أحدث نظم التربية العالمية) وفي إقامة منظمات خيرية لمساعدة الفقراء وفي تزويج شباب المسلمين. كما أن أساليب الدعوة متنوعة جداً، مثل"مخيمات"صيفية وغير ذلك. ولها منهج موحَّد في الدراسة وهو مجموعة معينة من المواد تدرس من كتب غالبها من تأليف الجماعة نفسها. فكتاب العقيدة المعتمد هو:"عقيدة التوحيد من الكتاب والسنة"تأليف سعاد ميبر. ويعتنين بحفظ القرآن كثيراً وبتلاوته خاصة بقراءة حفص عن عاصم. وقد ألفت الجماعة كتاب"المفيد في علم التجويد". وأكثر أسانيدهن في القراءة ترجع إلى الشيخ أبي الحسن الكردي. وهناك كتاب"مختصر الجامع في السيرة النبوية"لسميرة زايد. ولهن كتب أخرى في مجالات مثل إحصائيات ودراسات عن العالم الإسلامي (وهو كتاب قيم) . وهناك أربع كتب لفقه العبادات (فقط) على المذاهب الفقهية الأربع. وهذه الكتب هي:
*فقه العبادات على المذهب الشافعي تأليف الحاجّة درية العيطة
*فقه العبادات على المذهب الحنفي تأليف الحاجة نجاح الحلبي
*فقه العبادات على المذهب الحنبلي تأليف الحاجّة سعاد زرزور
*فقه العبادات على المذهب المالكي تأليف الحاجّة كوكب عبيد
مع التنبيه على أن استعمال لفظ"حاجة"أو"حاج"هي بدعة قبيحة، وذكري لما هو مطبوع على الكتاب لا يعني إقرار ما فيه. هذا وكتب الفقه المذكورة تمشي على نهج المتأخرين، وكنت أتمنى لو تم اعتماد كتب مشهورة بدلاً من تأليف كتب جديدة، وأظن الكتاب المشهور الوحيد الذي يدرسن به هو رياض الصالحين للإمام النووي. ويتم في العادة تدريس كتاب فقه واحد حسب المنطقة. ففي دمشق ولبنان يتم تدريس الفقه الشافعي. وفي حلب يتم تدريس الفقه الحنفي. وفي السعودية الفقه الحنبلي. و بعضهن يدرسن المذاهب الأربعة كلها. فالحركة غير متعصبة لمذهب معين لكنها تطلب من أعضائها على الأقل الإلمام بمذهب واحد في فقه العبادات. ولا يخفى أن العامي لا يملك أداة الاجتهاد، ويحتاج للتقليد.
وبالرغم من فضائل هذه الجماعة، فإن لها مساوئ كذلك وعثرات. منها الضعف العلمي العام، حيث التركيز على دعوة وهداية النساء الغير ملتزمات، وإيصالهن للحد الأدنى أو الأوسط في العلم. لكن لا منهاج لدراسة العلم بشكل أوسع، فيقمن بدخول كلية الشريعة. وهذا معناه غياب المرجعية الفقهية في الجماعة، حيث أنها جماعة دعوية بحتة لا تتكلم بتاتاً في السياسة. فهي حركة تشبه حركة تبليغ كثيراً، حيث الاهتمام بالأخلاق والدعوة والالتزام بالعبادات، دون وجود تركيز على العقيدة. وينطبق عليها أكثر ما يقال عن حركة تبليغ من مدح أو ذم.
والقبيسيات لهن انتقادات كثيرة على الصوفية وبالذات على النقشبندية. أما المزاعم بارتباط الجماعة بالصوفية وبمفتي سوريا الضال أحمد كفتارو (من أهم زعماء الطريقة النقشبندية) فمحض افتراء. بل تُمنع عضوات تلك الجماعة بشدة من حضور دروسه ولا تجيز الصلاة في مسجده"أبو النور"! والتي تفعل، تفصل من الجماعة. وكتبهن تنص على تحريم السحر والاستغاثة بغير الله وبناء المساجد على القبور، وعدت هذه الأمور من الشركيات المحرَّمة. لكن عندها احترام وتأثر بالدكتور الضال البوطي. وهناك فرق كبير (وتنافر في عدة حالات) بين تيار كفتارو (صوفي تقليدي) وبين التيار الذي يقوده البوطي والزحيلي والنابلسي وأمثالهم. وهو تيار ليس سلفياً ولا صوفياً خالصاً، وإنما خليط غير متجانس بين عدة تيارات. وجماعة القبيسيات متأثرة كذلك بالدكتور الزحيلي الذي يعتبر فقيهاً أكثر من مفكر أو فيلسوف (كما هي حال البوطي) .