فهرس الكتاب

الصفحة 20690 من 27364

دكتور استفهام

في تلك الليلة الصيفية دعاني أحد الزملاء الى استراحة للقاء سيتحدث فيه منصور النقيدان ، وكان الحضور قرابة العشرين او يزيدون قليلا ، وكنت قبلها لم أجلس مع منصور النقيدان إلا مرة واحدة ، بل ربما قبلها لم أسمع بشي يقال له منصور النقيدان إلا حين جلست مع أحد الشباب الذين شاركوا مع النقيدان في عملية التفجير في المركز النسائي في القصيم ..

لا أخفيكم سراَ أني تعجبت أشد العجب من منصور النقيدان في تلك الليلة التي تحدث فيها ما يزيد عن الساعة والنصف برتابة وقوة عبارة وكأنه يقرأ من ورقة ، وكان يرفع طرفه الى الأعلى وكأنه يستحضر نصوصا يحفظها عن ظهر قلب ، وكانت كلمته تنضح بالثورية الشديدة التي تذكرني بالثوريين العرب الذن يجعلون"الثورة"هدفا بذاته من دون مرجعية دينية واضحة في خطابه ، وكنت في تلك الليلة اتسائل: كيف وصلت هذه الفكرة الثورية الى منصور النقيدان ، وماهي مراجعه فيها وهو يعيش في القصيم الذي يغلب على طلبة العلم فيه الاهتمام بالكتب العلمية المدرسية ، وماهي الغاية التي يريدها النقيدان من هذه الثورية الطافحة في خطابه ، وكان يجلس بجانبه مشاري الذايدي الذي كان كث اللحية ، متحفزا إلى الكلام ، وكأنه محبوس في قفص يحاول التخلص منه ، وكان ثوبه قصير الى درجة ملفته للنظر ، وحين انتهى منصور انقض مشاري بكلام قاس ونبرة تكفيرية حادة ، ومقت للواقع ، يتسلل من عباراته وقد كانت عباراته أوضح في النقمة ، واقل في المستوى الأدبي من كلمات زميله منصور !

جالست منصور النقيدان بعد تلك الجلسة عدة مرات ، وزارني في بيتي مرة واحدة او مرتين - لا أذكر - ، وهو بحق ممتع في مجالسته ، وخاصة حين يطرب للحديث والذكريات ، مع قلق دائم وهم تجده باديا على ملامحه ، قد صنعه في ضميره الوقت الذي أمضاه بين مشكلات أوقع نفسه باتونها ، وكنت أجد في منصور نبرة المتحدي للآخرين ، المحب لأن يكون شيئا مذكورا ، الراكب للموجة الفكرية الحاضرة ، فهو يتوجه الى المسألة المثارة في الساحة الفكرية والدعوية بشغف ليستعرض كل طاقته أمام الشباب الخائضين فيها ، وأذكر ان الموجة في ذلك الوقت هي موجة الخلاف حول قضايا الارجاء ، وموقف الشباب من رأي الشيخ الالباني فيها ، ومخالفة بقية العلماء له ولتلامذته فيها ، وقد انتشر في ذلك الوقت كتاب الشيخ سفر الحوالي مخطوطا"ظاهرة الارجاء في الفكر الاسلامي"وكان منصور النقيدان مهتما بالموضوع ، ومحتدا كذلك فيه الى درجة انه حفظ طبقات المرجئة واقسام الارجاء ، والخلافات الدقيقة بين اقوالهم ، ومناضلا كبيرا في تقرير قضايا الايمان عند أهل السنة ، وكان من"غلوه"في هذا الجانب ما حُكي لي أنه دخل مسجدا في أحد المناطق ، وحين علم بأن الامام يقول بقول الالباني في الايمان من اشتراط الاستحلال في الكفر ، وانه لا يقع إلا في الاعتقاد لم يصل خلفه ، بل خرج من المسجد وبحث عن مسجد آخر ..!!

في اعتقادي أن منصور النقيدان يمثل نمطا لكثير من الشباب الذين عرفتهم ، وخاصة اذا كان الواحد منهم يرى في نفسه قدرات وطاقات لم تقدر من قبل الوسط الذي يعيش فيه ، فهو يرى أنه"نبي ضيعه قومه"، وكان جزءا من النقمة التي ينقمها على التيار العلمي والدعوي العريض هو الاهمال الذي كان يعانيه ، فهو طلب العلم على الدويش وغيره ، وابتلي وسجن ، وأنكر وقاوم ، ومع ذلك لم يكن له حضوة كبيرة ، حتى أن شباب القصيم لم يكونوا يكنونه بالشيخ كما سمعت من كثير منهم ، كما ادعى هو في برنامج"إضاءات"، بل كانوا يرونه شابا متحمسا طائشا ، كل يوم له مذهب ، وكل ساعة له طريقه ، فهو ينتقل من صورة سلوكية معينة الى مقابلها بأسرع وقت ، فقد تأتيه وهو جالس في بيت طين ، منعزلا عن الناس ، محرما الدراسة وكارها للخلطة ، وخجولا لا يكاد يرفع طرفه في نظر زائريه ، ويبدو عليه التعبد والخشوع ، ثم تفاجأ في الزيارة الأخرى او في مجلس آخر ، بذلك الشاب الجرئ المعلن لانكار المنكرات الحاث عليها ، الجرئ في نظراته وتعابير وجهه ، ثم يصل الامر معه الى مداه حين يقوم بالتفجير بنفسه ..!

إن الذي يبدو من هذا كله أن منصورا كان يبحث عن موطئ قدم يحقق فيه ذاته ، ويشكل له حضور ، ولعله كان يظن أن الحضور يصنعه في الساحة الغرابة في الطرح ، والجرأة فيه ، بعيدا عن مراعاة الجوانب المهمة التي تحقق الحضور والتأثير ، مثل الاستقامة والاتزان ، والتواضع وترك النزاع والتقليعات التي تنم عن شخصية غير مستقرة لانفسيا ولا فكريا ،ومراعاة ظروف المرحلة وتقدير رموزها من العلماء والدعاة ، ولذلك لم يكن منصورالنقيدان مشروعا ناجحا أبدا للدعوة ، ولعل اصدق عبارة تصدق على وضع منصور ما يفعله بعض المشاغبين في الحارات الذين يقولون ( لعبوني وإلا ابخرّب ) !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت