د. غازي التوبة 20/3/1428
أطلق الدارسون اسم"الصحوة الإسلامية"على عدة أفعال ومظاهر إسلامية برزت في السبعينيات من القرن العشرين، وارتبطت بالتدين بشكل عام من مثل: ارتداء المرأة المسلمة الحجاب، وإعمار الشباب للمساجد، وظهور بنوك إسلامية، ومؤسسات تجارية لاربويّة، وانتشار الكتاب الإسلامي، وظهور جمعيات إسلامية تقود العمل الخيري في آسيا وإفريقية، والإقبال على التصويت للإسلاميين في الانتخابات البرلمانية في أكثر من بلد عربي وإسلامي، مما أدّى إلى إشغالهم عدداً كبيراً من مقاعد البرلمانات الخ. . . ولم تقتصر الصحوة على بلد واحد أو منطقة واحدة، بل شملت بلداناً متعددة ذات ظروف تاريخية مختلفة تمتد من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، منها: تركيا، الأردن، مصر، فلسطين، تونس، الجزائر، السعودية، الكويت الخ. . . وأعاد أولئك الدارسون تلك الظاهرة إلى عدة أسباب منها:
1-نكسة حزيران 1967م:
ذكر بعض الدارسين أنّ الصحوة الإسلامية جاءت نتيجة هزيمة العرب في مواجهة اليهود سنة 1967م، وعلّلوا ذلك بأنّ الشعوب تلجأ إلى القيم الغيبية لمواجهة الانتكاسات وللتهرب من الواقع المرير، ومن الذين روّجوا لهذا التحليل حسين أحمد أمين في عدد من مقالاته. لكن هذا التعليل غير صحيح؛ لأنّ هناك بلاداً قد ظهرت فيها صحوة إسلامية ولا علاقة لها نهائياً بالنكسة مثل تركيا وتونس، ولكننا يمكن أن نقبل القول بأنّ نكسة حزيران 1967م كان لها دور في توقيت ظهور الصحوة، وذلك لاضطرار الحكام إلى تخفيف قبضتهم عن الشعوب الإسلامية بسبب هزيمتهم أمام اليهود، واضطرارهم إلى السماح بهامش من الحرية مما جعل الشعوب تستفيد من هذا الهامش وتعبّر عن الحقيقة الكامنة في داخلها ووجدانها.
2-حاجة بعض الحكام لمواجهة التيارات اليسارية:
علّل بعض الدارسين اليساريين وجود الصحوة الإسلامية بأنها ثمرة إطلاق الحكام ليد الإسلاميين في العمل السياسي من أجل مواجهة الحركات اليسارية، وأشاروا بهذا الصدد إلى إطلاق أنور السادات يد الحركة الطلابية في مصر لمواجهة الشيوعيين واليساريين من أتباع جمال عبد الناصر في الجامعات المصرية بعد عام 1970م، وأشاروا كذلك إلى سماح بورقيبة للإسلاميين بالعمل في تونس من أجل الحد من نفوذ التيار الشيوعي هناك.
إنّ هذا الكلام الذي يقوله اليساريون قابل للنقاش، ولا يسلّم به على إطلاقه، ولكن لنفترض جدلاً صحة ما يقوله اليساريون، فهذا يعني أنّ الحكام أرادوا الاستفادة من ظاهرة موجودة، ولم يُوجدوا هذه الظاهرة، وهذا ما نريد أن نصل إليه، وهو أنّ الصحوة الإسلامية حقيقة منبثقة عن واقع حياة المجتمع المسلم ومرتبطة به، وذات جذور وأصول بعيدة وليست من صنع الحكام.
3-الظروف الاقتصادية السيئة:
أشار كثير من الدارسين وبالذات الغربيين إلى أنّ الصحوة الإسلامية ثمرة الظروف الاقتصادية السيئة التي تمر بها بعض بلدان العالم الإسلامي، وأنّ القيادات الإسلامية تستغل الظروف الاقتصادية السيئة للزج بالشباب في"أتون الأصولية"، ومما ينفي زعم أولئك الدارسين أنّ الصحوة الإسلامية لم يقتصر انتشارها على البلدان التي تعاني أزمات اقتصادية، بل امتد انتشارها إلى البلدان المستقرة والمزدهرة اقتصادياً مثل الخليج العربي بعامّة والكويت بخاصة، وربما كان العامل الاقتصادي سبباً في تسريع انتشارها، لكنه لم يكن عاملاً أساسياً في إيجادها بحال من الأحوال.
4-الثورة الإيرانية:
عزا بعض الدارسين انبثاق الصحوة الإسلامية إلى قيام الثورة الإيرانية في طهران عام 1979م، وإلى تأثيرها الإعلامي في محيطها الإسلامي، لكن نسي أولئك الدارسون أنّ الثورة الإيرانية شيعية المذهب، لذلك فمن الصعب أن يكون لها تأثير في محيط سني المذهب، وبخاصة إذا علمنا أنّ الصحوة الإسلامية قامت في بلاد سنية المذهب، وإذا كان لابد لنا من الإقرار بالتأثر والتأثير فهو أنّ الثورة الإيرانية حركت مشاعر المسلمين، وأذكت أملهم بإمكانية الانتصار، ودفعتهم إلى حلبة التنافس والتسابق مع إخوانهم الآخرين.
5-انتشار المد الأصولي:
رصد بعض الدارسين أصولية متنامية خلال الفترة الماضية على مستوى الكون لدى جميع الأديان اليهودية والكاثوليكية والهندوسية والبوذية الخ. . . وعلّلوا تلك الظاهرة الأصولية بسقوط الاتحاد السوفييتي الذي يقوم على الإلحاد والذي هو خصم لكل الأديان، واعتبروا الصحوة الإسلامية جزءاً من تلك الظاهرة، لكن نسي الدارسون أنّ الصحوة الإسلامية غير الأصولية الإسلامية، فلكل ظاهرة سماتها المستقلة المختلفة عن الأخرى، وإذا قبلنا التعليل السابق لظهور الأصولية الإسلامية فيجب أن نبحث عن تعليل آخر لظهور الصحوة الإسلامية طالما أنهما في حقيقة الأمر ظاهرتان متمايزتان مختلفتان.
والآن بعد أن فندنا الأسباب التي توهم بعض الدارسين أنها كانت وراء الصحوة الإسلامية، فما أسبابها الحقيقية إذن؟ وما ماهيتها؟ لكي نرد على السؤال السابق لابد من استعراض الظروف التاريخية والسياسية والاجتماعية والفكرية التي سبقت الصحوة الإسلامية.