فهرس الكتاب

الصفحة 2397 من 27364

غزوٌ من الخارج أم من الداخل ؟

لا غرابة أن نرى أو نسمع أو نشاهد شيئاً من عداوة الكفار، تختلف أديانهم وأهدافهم، ولكن المستغرب حقاً أن نُهدد من داخل بيوتنا، وأن تُشن حملات ظالمة وجائرة على ديننا وقيمنا من أبناءِ جلدتنا، وممن ينتسبون إلى إسلامِنا، أولئك لا بد من الحذرِ منهم والوعي بمخططهم وأهدافهم، ومعرفة منطلقاتِهم، والتعرفِ على أساليبهم في المكرِ والمخادعة، ورسم معالم للموقف منهم، وحماية البلاد والعباد من آثارهم، أجل، لقد بليت الأمةُ بالمنافقين في سالِف تاريخها وعزِّ سلطانها، ونجح المسلمون حينها في كشفِ هؤلاء وتجاوزوا محنتهم، حتى عاد هؤلاء والمنافقون يعتذرون ويحلفون وهم كاذبون، واليوم تتجدد النازلةُ بالمسلمين بهؤلاء، وتتسعُ دائرةُ العداوةِ، ويكثر الإرجافُ والاستهزاء، وتُبلى الأمةُ بهؤلاء المعوِّقين، ويتكرر الموقفُ المسارعُ للكفار، (( فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ ) ) (المائدة:52) .

ويكثرُ اللمزُ بالمطوعين والسخريةُ بهم وبإسلامهم، وهؤلاء الصنفُ من الناس يركبون كلَّ موجة وكلَّ وسيلة تُحقق لهم أهدافَهم، فهم قوميون - مع ضيق عطن القومية- حين يشتد عودُ القومية، ثم تراهم ينقلبون على القومية- ولو كانت في سبيل الدفاع عن الحدود والحرمات - وينسلخون منها كما تنسلخ الحيَّة من جلدها، وربما بلغ بهم التخلي عن ( الهوية ) حداً مجَّدوا معه الغُزاة ورحبوا بالمستعمرين، أيُعقل هذا من مربي ؟!!

أفا يقبل هذا الترحيب بالمستعمر الكافر من مسلم ؟!!

ولولا كلماتُ القوم ما صدّقنا، وهذا أحد المحسوبين علينا ودون خجل يقول: ( إنني من أكثر الناس تفاؤلاً بقدوم أمريكا إلى العراق، وعندي أسبابٌ عديدةٌ، أولها إن أمريكا لم تدخل بلداً إلا وحسَّنت من أوضاعِه، إلى أن يقول: إنني واثقٌ أن أمريكا ستلعب في منطقتنا دورَ المعلمِ الحازم الذي يريد النجاحَ لتلاميذه حتى لو تطلب ذلك درساً قاسياً، إن العالم العربي لن يتغيَّر من تلقاءِ نفسِه، لذلك أقول: أهلاً بالنموذج الأمريكي الحرّ،(( وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ) ) ( البقرة:216) .

جريدة الشرق الأوسط 3 / 4 / 2002 م ، عبد العزيز الدخيل ) ..

لست أدري كيف تجرأ الكاتب هذه الجرأة، وكيف تجرأت الشرق الأوسطُ على نقل مقال المسوّق للاستعمار ؟

إننا أمام شريحةٍ في المجتمع غريبةٍ في فِكرها، متطرفةٍ في طرحها، جريئةٍ في استفزازها، ومهما تعددت مُسمياتُ هؤلاء أو اختلف الناسُ في تصنيفهم بين عَلماني وعَصراني ، وعقلاني أو حداثي أو مستغرب، فالمهم أن نعرف انتماءَهم وجذورَهم الفكرية، ومن اعترافاتهم نَدينهم، وحتى لا نتجنى عليهم هذا أحد أصحابِ هذه المدرسةِ يربط بين ثقافتهم وثقافة الغرب وتاريخهم، ويقول: إن الحديث عن حَداثةٍِ عربية مشروطٌ تاريخياً بوجود سابق للحداثة الغربية، وبامتداد قنواتِ للتواصل بين الثقافتين » [ القائل: محمد برادة، والمصدر د. عبد الرحمن الزنيدي: العصرانية في حياتنا الاجتماعية ص 27 ] ..

و ( العلمانية ) التي يُوصفون بها أحياناً، لا يكتفون بالانتماء إليها، بل ويبلغ الهوسُ بهم وبها حداً يتهمون ( القرآن الكريم ) بالعلمنة ؟ ويقول قائلهم: إن الدراسة المُعمّقةَ للقرآن الكريم تُبين أنه عَلماني المنحى، وإنما حوَّله المسلمون إلى وجهة دينية ؟! [ القائل: حسن حنفي ، انظر د. الزنيدي: العصرانية ص 44 ]

وهؤلاء القوم لا يكتفون بالانخداع والمخادعةِ لمنهج التغريب بل يصرون - مع ذلك - على نقد المناهج التي قام عليها التراثُ الإسلامي ويقول أحدُ كُبرائِهم:

« كي نؤمن بفعالية المنهج العلمي الغربي لا بد أن ننقد المناهجَ التي قام عليها التراثُ عند المسلمينَ قيمتَها في دائرة المنهجية القائمةِ اليوم » ؟ [ محمد عابد الجابري ، نقل العقل العربي ، د. الزنيدي ، العصرانية ص 44 ]

إن نظرتَهم تلك للإسلام والقرآن، وارتباطَهم بحضارةِ الغرب وثقافتهِ، وتسويقَهم لفكرِه وترحيبَهم بغزوه - كلُ ذلك يجعلنا نتبين هويّة القوم وجذورَهم التاريخية، فلا ننخدع بطروحاتِهم الزاعمة للإصلاح، ولا نُغَرَّ بمقدماتِهم القائلة « في ضوء شريعتنا الإسلامية » أو « وفيما لا يتعارض مع ثوابتنا وقيمنا » أو من مثل قولهم « في إطار قيمِ المجتمعِ ومبادئه » إنها عبارات خادعة، وذرٌ للرماد في العيون ، واستغفالٌ للبسطاء !

أجل لا بد أن نعيَ وندرك ونتدارك الأمرَ قبل فواتِ الأوان، ففي مجتمعنا ناقوسُ خطر، وحصونُنا تُهدد من داخلها، وفينا سما عون لهم، بل ومروِّجون لبضاعتهم ومستبشرون بغزوهم، فهل بعد هذا من خطر !!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت