حسن الباش
شغلت الحروب الصليبية حيزاً واسعاً من التأليف والتدوين والتأريخ، فكتب فيها من عايشها من المؤرخين العرب والمسلمين كابن شداد، وأسامة بن منقذ، واستند على تدوينهم معظم المؤرخين العرب القدامى كابن الأثير، والطبري، ومن عايشهم في عصور انحدار الدولة العربية.
ولما لم تكن هذه الحروب محلية أو محصورة، فإنها في وقتها وما بعده من سنين فتح الباب على مصراعيه ليكتب عنها المستشرقون الغربيون على شتى مناهجهم وتوجهاتهم، وتصل إلى أيدينا مادة ضخمة حول هذه الحروب وآثارها على كافة المستويات الاجتماعية والسياسية والثقافية.
وبطبيعة الحال فإن الإنصاف والحيادية لم يكونا بعيدين كثيراً عن التحيز والتعصب، وخاصة أن المستشرقين الذين يدعون تلك الحيادية والموضوعية ظلت تشدهم جذورهم الدينية والتاريخية ليقعوا في مطب الهوى، وتصوير الأحداث تصويراً مخالفاً للحقيقة.
ومع ذلك كله فقد جاء القرن الماضي أي القرن العشرين ليفرز نوعين من المستشرقين في العالم الغربي، وبرز المؤرخون السوفيات كطرف، والمؤرخون الأوروبيون الغربيون كطرف آخر، والحقيقة أن الحروب الصليبية بشكلها العام كانت ذات توجه أوروبي غربي تقوده الكنيسة البابوية، ويجمع تحت ظلها غالبية أبناء أوروبا الغربية كالفرنسيين والطليان والإنجليز والهولنديين وغيرهم.
ومن الطبيعي أيضاً أن المؤرخين السوفيات الذين ينتمون تاريخياً إلى الكنيسة الأرثوذكسية رأوا أن الكنيسة البابوية الكاثوليكية كانت تنظر نحو الأرثوذكس نظرة دونية، ويعتبرون الكنيسة الأرثوذكسية خارجة عن المسيحية، ولهذا السبب اكتوى المنتمون لهذا المذهب بنار المذهبية، وقدموا ضحايا كثيرين بسبب التعصب الصليبي الكاثوليكي، بل إن الحملات الصليبية الغربية هاجمت مئات القرى والمدن في أوروبا الشرقية، وقتلت المئات من أبنائها، صحيح أن ذلك حدد الرؤية التاريخية للمستشرقين السوفيات، ولكن علم التاريخ الذي خاض فيه المستشرقون فتح آفاقاً كبرى لمن يريد الكشف عن حقائق الحروب الصليبية وأهدافها، ولعل في التناقض الصارخ بين منهجين استشراقيين غربيين ما يفتح الأبواب على دراسة طبيعة الاستشراق، وغاياته، وأهدافه من ناحية، ويحقق للقارئ الكشف عن دقائق الأمور في الصراع بين الشرق والغرب في القرن العاشر وما بعده.
ومن المعروف لدى المهتمين بالحروب الصليبية ووقائعها أن المستشرق الفرنسي رينيه كروسيه يعتبر من أهم الباحثين الفرنسيين المتخصصين في تأريخ الحروب الصليبية، وهو بالمحصلة يمثل تياراً غربياً استشراقياً عمل في تدوين وقائع تلك الحروب في ثلاثة مجلدات تعتبر أهم مراجع البحث في الموسوعات الفرنسية التاريخية، ومرجعاً لكل طالب يدرس التاريخ في الجامعات الفرنسية، ولما كان كثير من الطلاب العرب الذين يدرسون التخصص ليحصلوا على شهادات الدراسات العليا مضطرين للعودة إلى المراجع الأولى في الجامعات الفرنسية فإنهم يقعون فريسة الأفكار التاريخية التي وصفها كروسيه وغيره من المستشرقين، والأخطر من ذلك أنهم يعودون إلى بلدانهم العربية يحملون هذه الأفكار، وينقلونها إلى طلبة الجامعات، مما يؤدي بالتالي إلى تغيير حقائق الحروب الصليبية، وحرفها عن واقعيتها، وإيقاع قارئيها في مطب التشوّش التاريخي، وعدم الثقة بالمؤرخين العرب الذين عايشوا تلك الحروب وكتبوا عنها.
ومنذ البداية تظهر كتابة كروسيه عن الحروب الصليبية على اعتبارها حروبه هو وحروب الغربيين ضد الشرق الإسلامي، دون النظر إلى طبيعة تحرك هذه الحروب على اعتبارها غزواً واستعماراً لهذا الشرق.
يقول كروسيه: ينبغي لنا نحن الأوروبيون الاعتراف بحق لهؤلاء الأباطرة الأشداء الذين حكموا في تلك الظروف الصعبة بفضلهم في إنقاذ معقل الحضارة الأوروبية، فإن أيام القسطنطينية المشهودة في عام 717 ـ 718م التي صد فيها ليون الإيسوري زحف الهجوم الإسلامي في الشرق لا تقل أهميتها بشيء عن معركة بواتيه (بلاط الشهداء) عام 732م الذي أوقف فيه قائدنا الفرنسي شال مارتل هجوماً آخر مشابهاً في الغرب.
ويرى كروسيه أن الحروب الصليبية بدأت فعلياً منذ عصر بني أمية، واشتدت زمن بني العباس، حتى إنه يعتبر معركة عمورية التي قادها المعتصم من أشهر الحروب الصليبية باعتبارها حرباً دفاعية ضد المسلمين الذين غزوا بلاد الإمبراطورية البيزنطية.