فهرس الكتاب

الصفحة 3671 من 27364

صلاح الصاوي

كما يريدها ويروِّج لها دُعاتها في واقعنا المعاصر - لا تعدو أن تكون تعبيراً معاصراً عن نزعة تسلطية قديمة , صاحبت كل قوة غاشمة على مدار التاريخ . بل لا نبعد النجعة إن قلنا إن هذه العولمة - وما تعنيه من الهيمنة واستلاب الآخرين - نوع من أنواع الاستخراب (الاستعمار) , لها كل ما للاستعمار القديم من صفات , إلا أنها - كما يقولون - تضفي طلاءً من الذهب على الأغلال , وتتوارى خلف أقنعة زائفة من العبارات الجذابة والشعارات البراقة , كالعدالة والديمقراطية والحرية والسلام العالمي والتعايش السلمي وحقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب .. الخ . فهي نفس الشراب القديم وإن كان في آنية جديدة ! .

ولعل من أبرز مظاهر هذه العولمة انهيار السدود بين الحضارات والثقافات , وفرض الهيمنة الغربية في مختلف المجالات , سياسة واقتصاداً وإعلاماً وفكراً ؛ توطئة للاستيلاء على ثروات الشعوب وشلّ قدراتها الوطنية , ومسخ هويتها وخصوصياتها الحضارية , وتحويل أسواقها المحلية إلى أسواق استهلاكية تفتح الأبواب على مصاريعها أمام الشركات الأجنبية لترويج منتجاتها وتراكم أرباحها .

وقد رأينا من ذلك بدايات أسيفة , لا تخطئها العين , تمثلت في شيوع التقاليد والأزياء والمطاعم الغربية ومزاحمتها لمثيلاتها الوطنية مع ما يجلبه هذا الوافد الغربي من مفاهيم بلاده وقيمها , ولعل هذا يوضح الصلة بين شيوع هذه المظاهر وبين مظاهر التخنُّث وضعف التدين وانفراط عقد الأسرة وانتشار المخدِّرات والجريمة المنظمة ! , فضلاً عن تراجع - أو انهيار - كثير من المؤسسات الوطنية وهروب رؤوس الأموال إلى الخارج .

إن عُمد الحضارة الغربية - كما لا يخفى عليكم - تمثلت في الطباعة والتنصير والبارود , فهي ظل ذو ثلاث شُعب: أولاهن إعلامية والثانية تنصيرية والأخيرة عسكرية , وما الأولى والثانية إلا كاسحات ألغام أمام الشعبة الأخيرة , تهيئ لها الأجواء وتعبِّد لها الطريق !

ولقد وعى القوم دروس التاريخ فقدموا القوة الناعمة على القوة الضاربة ؛ لأنها أقل استفزاراً للآخرين , وأقل ظهوراً أمامهم , وأقدر على شلّ قدراتهم على المقاومة , وأقتل لروح الاستبسال والمواجهة في صدورهم .

وإذا كان الأسلوب التقليدي - لدى القوم - قد تمثل في حمْل الآخرين على فعل ما تريد ولو باستخدام القوة المسلحة - فإن الأسلوب الأمثل اليوم يتمثل في حمل الآخرين على إرادة هذا الذي تريد , وإقبالهم عليه عن طواعية واختيار , وهذا يتوقف بطبيعة الحال على حسن تسويقه وجاذبية عرضه من ناحية , كما يتوقف على حجم الإغراء الذي تحمله الجوائز التي تقدم ثمناً لمَن يتعاونون مع القوم ويلقون لعولمتهم السَّلَم من ناحية أخرى ! .

بين العالمية الإسلامية والعولمة الغربية

ومما يجدر التنبيه إليه - في هذا المقام - ضرورة الفصل بين العالمية التي جاءت بها شريعة الإسلام وما تحمله من رسالة حب ورحمة إلى العالم أجمع , وبين العولمة وما تعنيه من الهيمنة واستلاب الآخرين لحساب الرأسمالية العاتية , بل لحساب حفنة من النخب الرأسمالية التي تتضرع في دماء الآخرين وأموالهم .

إن العالمية التي تحيل العالم إلى قرية كونية واحدة , يتمتع الإنسان فيها بحق الاختيار ويسود فيها البر والقسط ويتفيأ الإنسان فيها ظلال العدل والرحمة , وتصان فيها حرمات المخالفين وحقوقهم - هذه العالمية يجب ألا تلتبس في ذهننا بالعولمة , التي يدعو لها حملة المشروع الغربي والتي تحيل العالم إلى غابة عالمية واحدة , يأكل القوي فيها الضعيف , ولا يرقبون في أحد فيها إلاًّ ولا ذمة ! .

إن الاتجاه إلى العالمية برسالة حضارية عادلة لا حرج فيه ولا تثريب على دعاته , ولكن الحرج - كل الحرج - إنما يكمن في روح الهيمنة والجشع والأنانية والابتزاز الذي تحمله هذه العولمة الجامحة , كما يدعو إليها أباطرة الرأسمالية وقراصنتها من غير حريجة من دين أو خلق , فليس الحرج في التوجه إلى العالمية في ذاته , والتعامل مع الكيان البشري كأمة واحدة , وإنما يكمن الحرج في المشروع الذي يحمله القائمون على هذا التوجه عندما لا يرون في الآخرين إلا أحجاراً على رقعة الشطرنج , يعبثون بمقدراتهم ومصائرهم كما يشاءون , الأمر الذي لا تقام به دنيا , ولا يصلح به دين , ولا يزداد به العالم إلا شقاءً فوق شقاء !

إننا - نحن المسلمين - نحمل مشروعاً حضارياً رائداً , لُحمته الربانية وسُداه البر والقسط , نبذله إلى العالمين ما داموا لا يقاتلوننا في الدين , ولا يصادرون علينا حقنا في أن نبسط دعوتنا إلى الآخرين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت