عمان / محمد أبو رمان 24/6/1427
لم تكن الدعوة الأمريكية للإصلاح في العالم العربي، عقب أحداث أيلول، وما رافقها من خطاب تحريضي في الدفع باتجاه الديموقراطية سوى لحظة خاطفة في السياسة الخارجية الأمريكية، التي وضعت دوما (فيتو) على وصول إسلاميين إلى الحكم، وعملت باستمرار على مساعدة النظم العربية في التصدي للحركات الإسلامية سواء المعتدل والسياسي منها أم المتطرف.
ما يدلل على خطورة العامل الخارجي، على مسار الإصلاح السياسي العربي، أنه في اللحظة التي رُفع فيها الغطاء الأمريكي عن النظم العربية، ومُنحت الفرصة للحركات الإسلامية والمعارضة بالتحرك تحرك المشهد السياسي العربي بأسره وظهرت النظم العربية بلا حول ولا قوة أمام قوة الدفع الشعبي باتجاه الإصلاح السياسي، إلى أن أعادت الإدارة الأمريكية تجديد الصفقة مع النظم على حساب المعارضة وعمودها الفقري الحركات الإسلامية - بفعل أزمتها في العراق، مع نتائج الانتخابات في مصر وفلسطين، والبرنامج النووي الإيراني- .
أقدّم بهذه الملاحظة في سياق مناقشة مقال"الإسلاميون واختطاف الديموقراطية في الشرق الأوسط"لـ (توماس فريدمان) - الكاتب الأمريكي الصهيوني المعروف - الذي يحيل فيه مسؤولية تعطل التحول الديموقراطي العربي إلى سيطرة الحركات الإسلامية، المعادية للولايات المتحدة، على الشارع. يقول (فريدمان) :
"بالنظر إلى ضحالة جذور شجرة الديموقراطية في هذه المنطقة، مصحوبة بإضعاف الأكثريات المعتدلة وترهيبها، فقد أفرز لنا العالم العربي الإسلامي أسوأ ما في التجارب الديمقراطية على الإطلاق". ويصل (فريدمان) ، في خاتمة المقال، إلى أنّ الديمقراطية"لا تصلح للتطبيق في كل مكان".
بعيداً عن مساءلة مشروع الإسلام السياسي، في المشرق العربي تحديداً، فإن مقال (فريدمان) هو تأكيد للاتجاه الغالب في الأوساط السياسية والإعلامية الأمريكية التي تدعو إلى وقف الدعوة الأمريكية للإصلاح بدعوى أن الشروط الثقافية والاقتصادية- السياسية في المنطقة لم تنضج بعد لتطبيق الديموقراطية، فتقدم تياراً ليبرالياً عقلانياً بديلاً عن الحالة القائمة، بحيث تمثل العقلانية، في هذا السياق، الموالاة المطلقة للسياسة الأمريكية والاحتلال الإسرائيلي والتنكر لمختلف مشاريع"المقاومة".
(فريدمان) لا يكتفي بالاعتراف أنّ نتائج الانتخابات وصناديق الاقتراع تأتي بما لا يتوافق مع مصالح العم سام ومشروعه في الهيمنة على المنطقة، لكنه يريد أن يتذرع بأنّ هذه الأحزاب تتخذ الديموقراطية كحصان للوصول إلى أهدافها المتمثلة بأسلمة المجتمعات العربية، بينما الأكثرية العربية، كما يصورها (فريدمان) ، تخشى مواجهة"الأصوليين"؛ إذ إنّ من يعارض حزب الله وحماس يجري النظر إليه وكأنّه دمية في يد الأمريكيين.
من الواضح أنّ رؤية (فريدمان) تخلط الحابل بالنابل، لكنها في الوقت نفسه تبين حجم الوهم الذي يقع فيه المنظور الاستشراقي الجديد عند قراءته للواقع العربي، والإصرار على تجاهل دور السياسة الأمريكية والاحتلال الصهيوني في منح الإسلام السياسي، الذي يشكو منه (فريدمان) ، الذرائع الفكرية والسياسية والقاعدة الاجتماعية الساخطة على الظلم الذي تراه ليل نهار، بحيث أوجدت الولايات المتحدة داخل كل منا إنساناً"متطرفاً"تحت طائلة همجية سياساتها والظلم التاريخي الذي تضعه على كاهل المجتمعات والشعوب العربية والمسلمة.
لن أُتعِب (فريدمان) في استقراء الواقع العربي ليجد أيدي أميركا وإسرائيل مغموسة في كل طامة كبرى تعيشها المنطقة، بما في ذلك صناعة العداء لها، وبما في ذلك أيضاً المنظمات المعادية بقوة للسياسة الأمريكية، وإلاّ فما هو سر نفوذ القاعدة وقوة تأييدها في الأوساط الشعبية والشبابية العربية. بالتأكيد ليس فكرها السياسي والديني بالدرجة الأولى، الذي تختلف معه شرائح سياسية وفكرية بل وإسلامية واسعة، إنّما لأنها الجماعات الوحيدة التي تقف-عسكرياً- في وجه الجيوش الأمريكية، فأصبحت"القاعدة"ماركة مسجلة عالمياً بفضل العم سام وسياساته.
كما وعدْتُ (فريدمان) ، لن أجهده في قراءة الواقع العربي، لكنني أود التوقف عند المشهد العراقي؛ فقد بشّرنا (فريدمان) نفسه قبيل احتلال العراق بأنّ الولايات المتحدة ستحوله إلى نموذج للديموقراطية في المنطقة العربية، فماذا فعلت به السياسة الأمريكية؟! أحيل (فريدمان) هنا إلى كتاب"العراق.. منطق الانسحاب"للكاتب الأمريكي (أنتوني أرنوف) ، فقط لنقرأ معاً الوحشية والهمجية التي مارسها الأمريكيون بالعراق، على حد تعبير (أرنوف) . عن ماذا نتحدث: عن الفساد المالي والشركات الخاصة الأمريكية التي نهبت العراق! عن الفوضى والقتل لمجرد الاشتباه! عن اغتصاب الفتيات وتعذيب همجي في السجون بمعرفة وتغطية من بوش ورامسفيلد! عن التعبئة النفسية للجندي الأمريكي التي تقدم له العربي كحيوان يمكن تعذيبه بل قتله بدم بارد! عن ذبح وحدة العراق على مسلخ مصالح وأوهام المحافظين الجدد! عن المجازر اليومية بحق أبناء العراق...!