موسوعة الخطب والدروس - (ج / ص 1)
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد:
فقد فجَّر العدوان اليهودي على أرض لبنان المسلمة عدداً من القضايا والتساؤلات والاختلافات على ساحات مختلفة، لكون هذا العدوان جاء من طرف متفَق على عداوته ووجوب محاربته، بينما جاءت المواجهة من طرف مختلَف عليه من حيث أمانته على مصالح الأمة العامة، وتزايد الشكوك حول أجندته الخاصة.
وربما يظل هذا الاختلاف قائماً لأمد غير قريب، حتى تُظهر الأحداث الواقعة على الأرض، ما تخفيه الخطط والتدابير، مما هو مغيَّب مستور؛ فهذا شأن الفتن: إذا أقبلت لا يعرفها إلا العقلاء، وإذا أدبرت عرفها كل الناس. والفتنة هنا تتلخص في أن (حزب الله) هو صناعة إيرانية خالصة في أهدافها ووسائلها وإمكانياتها، ولا يكاد يجادل في ذلك إلا مكابر. وقد أدرك العارفون من خاصة وعامة أن الدولة الإيرانية لم تكن يوماً أمينة على مصالح الأمة بشكل عام؛ فالأمانة لا تتجزأ ولا يمكن أن تُخلِص إيران للأمة في لبنان بينما هي تخونها في العراق وأفغانستان، ولا يمكن في الوقت نفسه أن يقاتل الإيرانيون أعداء الأمه - لصالح الأمة - في لبنان، بينما يقاتلون إلى جوار أعدائها في العراق وأفغانستان.
ومما زاد في الفتنة والالتباس أن ما يعرف بـ (المقاومة اللبنانية) اليوم، هي نفسها التي زرعتها إيران وأحلَّتها محل المقاومة الفلسطينية في جنوب لبنان بدءاً من عام 1982م، وشارك الشيعة من خلال (منظمة أمل الشيعية) في حرب المخيمات ومجازر صبرا وشاتيلا، في محاربة الفلسطينيين واقتلاعهم من الجنوب اللبناني بالتحالف مع النصارى والنصيريين الذين يحكمون سورية. واليوم يرفع شيعة لبنان شعار (تحرير جنوب لبنان) على أنقاض شعار (تحرير كل فلسطين) الذي أُنهِيَ بإخراج المقاومة الفلسطينية (حركة فتح) من الجنوب اللبناني بعد تشتيتها في تونس واليمن والسودان؛ حيث لم تعد بعدها إلا رافعة الراية البيضاء مكان راية النضال والفداء، سالكة دروب الاستسلام من مدريد إلى أوسلو. ولم يكن هذا الدور التآمري الواضح ضد الفلسطينيين بالاشتراك مع اليهود والنصارى والنصيرية؛ إلا لقطع الطريق على المشروع الجهادي الفلسطيني السُني، لحساب المشروع اللبناني الشيعي، ليبقى الشيعة في واجهة القضية الإسلامية الكبرى في عالم اليوم، وهي قضية فلسطين. لكن أقدار الله ـ تعالى ـ جاءت على عكس ما يشتهي المتآمرون؛ حيث انبعثت من داخل فلسطين مقاومة جديدة سنية، مارست خلالها منظمة حماس مقاومة حقيقية تحت راية نقية لا تتخفى وراء تقية أو أجندة خفية.
وللحقيقة فإن اختلاف الناس في شأن الحرب التي اندلعت بين دولة اليهود المعتدية وبين (حزب الله) لم يأت من فراغ... فالمتعاطفون معذورون؛ لأنهم لم يروا من كل الدول المحيطة بدولة الأعداء الصهاينة من ينكي فيهم بهذا الشكل من الإقدام والجرأة رغم ما لدول المواجهة تلك من جيوش جرارة على الحدود، تقف وراءها جيوش جرارة أخرى خلف الحدود، لها من الإمكانيات الإضافية ما كان يكفي للتنكيل بهذا العدو الجبان على مدى أكثر من خمسين عاماً أضعاف أضعاف ما حدث على أيدي المقاتلين من شيعة لبنان رغم ضعف قوتهم وضعف معداتهم مقارنه بقوات ومعدات تلك الجيوش.
3 أما المحذِّرون المتحفظون فهم يرفضون ابتداءً الطغيان الصهيو أمريكي في المنطقة، ويدركون أبعاد مشروع الشرق الأوسط الكبير ثم الجديد، ويوجبون مقاومته بكل ألوان المقاومة، ويفرحون بكل نكاية تثخن العدو وتزيد من جراحه وآلامه؛ ويرفضون أيضاً استهداف لبنان بالتدمير الوحشي الذي أهلك الحرث والنسل، كما يرفضون سلبية الأنظمة العربية وعجزها.
3 وهؤلاء المحذرون المتحفظون لديهم قناعة راسخة بطغيان اليهود واستكبارهم ونقضهم للعهود والمواثيق، ويدركون أن لغة القوة هي اللغة الوحيدة التي يفهمها الأعداء؛ فالضعفاء والعجزة لا مكان لهم في ظل شريعة الغاب.
3 ومع تحذيرهم من الانسياق الكامل وراء العواطف والظواهر فإنهم معذورون؛ لأنهم لم يستطيعوا تجاهل الحقيقة القائلة بأن دماء مئة ألف من أهل السنة التي تراق في العراق على أيدي أولياء إيران في العراق لم تلقَ أي إدانة من أولياء إيران في لبنان.
3 وهم معذورون كذلك عندما يرون أن هناك مزايدة واضحة على المجاهدين الحقيقيين المخلصين للأمة سواء كانوا في فلسطين أو العراق أو أفغانستان؛ فبينما كان موقف المقاومة اللبنانية الشيعية مخزياً من المقاومة الإسلامية في العراق حتى قال (نصر الله) عنهم إنهم (صداميون تكفيريون) ؛ فإنه أيضاً - أي نصر الله وأتباعه - لم يُعرَف لهم موقف تضامني واضح من المقاومة الفلسطينية غير الشعارات والتصريحات التي قصارى ما تفعله في النهاية أن تصور المقاومة اللبنانية على أنها هي القدوة والمثل الأعلى للمقاومة الفلسطينية، كما ردد زعيم (حزب الله) غير مرة.