الاربعاء:13/08/2003
(الشبكة الإسلامية) دمشق ـ غادة الجوابرة
أثارت الظاهرة الاستشراقية وما زالت تثير جدلاً حامياً بين مؤيديها ومعارضيها، بل إننا نستطيع الجزم بأنها أكثر المسائل إثارة للجدل والنقاش، وسوف تستمر هكذا ولأحقاب لاحقة، حتى يتم فهم هذه الظاهرة فهماً علمياً بعيداً عن التعصب والولاء.
وقد وجدت تعريفات عديدة تحدد مفهوم الاستشراق وتحاول أن تعطيه أبعاده، و نوه الشيخ بسام عجك إلى أن تعريف الاستشراق مجملاً"هو دراسات وأبحاث قام بها غربيون .. تهدف إلى دراسة العالم الشرقي ولاسيما الإسلامي، ديناً وتاريخياً وحضارة وعادات وشعوباً، بهدف فهم حقيقة الإسلام، وقد نشأت منذ أكثر من ألف سنة في العالم الغربي، ومازالت موجودة حتى يومنا هذا، إلا أنها في الفترات الأخيرة بدأت تأخذ أشكالاً أخرى في الظهور، باسم مستشارين اقتصاديين أو سياسيين أو لغويين يتبعون وزارات الخارجية والاقتصاد والمال والحربية في العالم الغربي، ومهمة هذه الدراسات فهم طبيعة العالم الإسلامي وتوجهات المسلمين، وذلك من أجل التعامل الغربي معهم".
بداية الاستشراق
ومعروف أن أول ترجمة غربية للقرآن الكريم كانت إلى اللغة اللاتينية، وقد تمت بإشراف رئيس دير كلوني بجنوب فرنسا سنة 1143 م، وقد أخفيت هذه الترجمة في الدير المذكور إلى سنة 1543 م حيث أظهرت، وطبعها لأول مرة تيودور بيلياندر، ثم اعتمدت واعتبرت الأساس الذي يترجم عنه إلى اللغات الأوربية.
وكانت الدراسات التي يجريها المستشرقون ولازالت تتم في مؤسسات لها مسحة أكاديمية، وقد انتشرت هذه المؤسسات في صور مراكز استشراقية تابعة لجامعات أوربية وأمريكية عديدة، وأصبحت هذه المراكز تحت أسماء وعناوين إسلامية.
والدراسة الموضوعية والمتأنية لكتابات المستشرقين في العصر الحديث منذ القرن التاسع عشر حتى الآن لتؤكد غلبة موقفهم المهاجم والمعادي من الرسو صلى الله عليه وسلم ومن القرآن الكريم .
وأكثر هذا نلمحه في كتاب تاريخ الإسلام لجامعة كامبردج، وهو كتاب ضخم اشترك في تأليفه عدد كبير من المستشرقين المعاصرين، صدر في جزأين سنة 1970 يردد ما يزعمه جميع المستشرقين منذ نشأة الاستشراق حتى اليوم، وهو أن الإسلام مزيج ثقافي مستعار من عدة ثقافات أخرى: يهودية، ونصرانية ، يونانية، وفارسية، بالإضافة إلى ثقافة بيئته الأصلية، وهي البيئة الجاهلية.
وطبعاً، كثير هم المستشرقون الذين هاجموا الإسلام، ونذكر على سبيل المثال المستشرق صموئيل مرجليوث في كتابه عن محمد وظهور الإسلام (1905 م) يزعم أن الرسو صلى الله عليه وسلم بادعائه الوحي قد ضلل الناس عمداً .
لكن هل من بين هؤلاء المستشرقين من اتصف بالموضوعية والإنصاف؟
في الحقيقية أن بعض المؤلفات الإسلامية المعاصرة تظهر بعض المستشرقين في العصر الحديث بأنهم موضوعيون أو منصفون، و تصف دراساتهم بأنها محاولات جادة نحو فهم الإسلام، وتقول بأنهم قاموا بتلك الدراسات دون تأثير عوامل سياسية أو اقتصادية أو دينية ، بل لمجرد ذوقهم وشغفهم بالعلم.
تيارات ثلاث
وهنا تقول أستاذه التاريخ د. نجاح محمد في موضوعية الاستشراق:"لا نستطيع أن نقول إن الاستشراق موضوعي بمجمله، كذلك لا نستطيع أن نقول بأنه مغرض بمجمله أيضاً، فالاستشراق لنحكم عليه تماماً يفترض أن نضعه ضمن سياقه التاريخي، وعبر هذه الرؤية نجد أنه احتوى على ثلاثة تيارات، الأول هو استعماري مغرض، يرتبط ببحث الاستشراق الاستكشافي، وبما يريده الغرب المستعمر من الشرق، والمصالح المأمول الحصول عليها من الشرق، وقد دخل هذا الغرض الاستعماري في كل ما يتعلق بأمور الشرق إلى أن وصل إلى التدخل في تحديد مصطلح الاستشراق نفسه، فقد زعم الغرب في البداية أنه يريد استكشاف الشرق ليعطيه رسالته الحضارية، كونه أكثر حضارة، في الوقت الذي كان الشرق يرزح تحت نير التخلف، وبالتأكيد هذا القول هو ليبرر الاستعمار أمام شعوبه و حروبه وتحركاته الوحشية البعيدة عن الإنسانية عبر رسالة إيديولوجية تمس المشاعر الإنسانية، لذلك ادعى أنه صاحب رسالة حضارية، وأخذت بالتالي ممارساته صفة المشروعية، وكان أن جاء المضمون الاستشراقي ليخدم الاستعمار ومصالحه، فظهر عدد كبير من المستشرقين قاموا بالتشويه المتعمد بهدف نشر الإيديولوجية الاستعمارية، إذ جاءت دراساتهم بعيدة عن الدقة و الموضوعية، وأخذت موقف الإنكار للرسالة والتكذيب للرسو صلى الله عليه وسلم وإثارة الشبهات حول الإسلام بوجه عام، وحول القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم بوجه خاص."
لكن الحقيقة بأن هذا أحد جوانب الاستشراق، إذ هنالك جوانب أخرى هامة تتعلق بالغرض الثاني للاستشراق، وأصحابه ذوو الاتجاهات الموضوعية، وأصنفهم بين تيارين اثنين للاستشراق، الأول: هو التيار المعتدل التوفيقي الذي يوفق بين المصالح القومية، التي أصبحت مهيمنة لبلاده وبين الموضوعية العلمية.