فهرس الكتاب

الصفحة 9993 من 27364

أما التيار الثاني: هو الموضوعي تماماً، فالحضارة الإنسانية ترتبط حتماً بالموضوعية، التي تستوجب العقل الحر القادر على إنتاج القيم والأحكام الحرة، غير المرتبطة بمصالح شخصية أو دينية أو سياسية أو اقتصادية، وتيار المستشرقين الموضوعيين اتسم بأنه أعطى الفكر الحر القادر على الحكم الموضوعي، فقدم صورا رائعة ترصد الحضارة العربية والإسلامية وما قدمته من علوم ومعارف للعالم أجمع عبر التاريخ، وعندما أقرأ لهؤلاء المستشرقين أصاب بالدهشة لمدى الدقة والموضوعية التي اتصفوا بها، فقد استطاعوا الكتابة عن الشرق بما عجز عن كتابته بنفسه، وهنا أخص بالذكر المستشرق الفرنسي بيير روسي في كتابه"مدينة ايزيس التاريخ الحقيقي للعرب"، الذي قال فيه:

"الثقافة كانت عربية منذ بداياتها، تحت شلال نور آسيا المتدفق، ومن السماء التي تظلل نهر النيل كتبت جميع الدفقات القوية التي ولدت منها الحضارة العربية الكبرى التي بسطت منذ فجر الزمان معرفتها وآداب سلوكها".

وعن حالة التزوير والتشويه التي تعرضت لها الحضارة العربية حتى قبل ظهور الإسلام ذكر روسي:"إننا باختصار في جهل مطبق، جهل علمي متفق عليه، وإن الأمر سيكون بسيطاً جداً فيما لو أننا تكلمنا بدلا من الساميين الأبطال المختلقين من أصل خيالي، لو أننا تكلمنا عن العرب ذلك الشعب الحقيقي، والذي يمتلك وجوداً اجتماعياً مستمراً وجوداً ثقافياً ولغوياً يعطي حياة وتوازناً لهذا البحر المتوسط منذ عدة آلاف من السنين".

كما أخص بالذكر المستشرقة الألمانية زيغريد هونكة المختصة بالحضارة الإسلامية والتي قدمت كتاب"شمس العرب تسطع على الغرب"رسمت فيه صورة رائعة عن الحضارة الإسلامية.

إذ قالت في كتابها:"لقد وجدت اللغة العربية تجاوباً من الجماعات، وامتزجت بهم وطبعتهم بطابعها، وكونت تفكيرهم ومداركهم وشكلت قيمهم وثقافتهم، وطبعت حياتهم المادية والعقلية، فأعطت للأجناس المختلفة في القارات الثلاث وجهاً واحداً مميزاً، حتى السلاجقة والأتراك والمماليك والتتار عندما وصلوا إلى الحكم ظلوا بقلوبهم رعايا مخلصين للثقافة العربية وللغتها، بل ولأساليب الحياة العربية وفكرها، حقاً إن قدرة هذه العقلية العربية على طبع الشعوب لرائعة".

الاستشراق والاستغراب

وأكدت د. نجاح أحمد أنه كي نفهم الاستشراق لابد من فهم المصطلح المقابل له وهو الاستغراب، أي علينا فهم العلاقة التاريخية بين الشرق و الغرب، المرتبطة بدورها بجدلية الداخل والخارج من حيث حجم القوة، فقالت:"طوال العصور القديمة والوسطى كان العرب القدماء أصحاب النظام العالمي، المتميز عن النظام الغربي الحالي بأنه كان إعمارياً، فأينما ذهب العرب شيدوا حضارة كاملة أكثر ما تجلت في الإعمار والبناء، وفي تعليم الزراعة والحرف والتجارة وقدموا الأبجدية التي هي نتاج حضارة متكاملة، وكانوا بحق أصحاب رسالة، وليس عبثاً ما يقال بأن مصر أم الدنيا، وسورية مهد الحضارات، والعراق الأصل البشري والحضاري، ومكة المكرمة مركز الكون."

شُكل النظام العالمي القديم من ثلاثي مصري ـ سوري ـ عراقي، هذا المثلث الحضاري كان المسيطر اقتصادياً وثقافياً وحضارياً، فعلم الحضارة للعالم في العصور القديمة والعصور الوسطى، ثم جاءت الدولة الإسلامية مؤلفة من المثلث نفسه إضافة إلى شبة جزيرة العرب، وأصبح هنالك نظام عالمي إسلامي مسيطر على العالم شرقاً وغرباً، يقوم على أساس جدلية الداخل والخارج ، حيث كان الداخل العربي قوياً سياسياً واقتصادياً، فأعطى العالم من إشعاع حضارته ونورها أكثر مما أخذ، وأثر فيه أكثر مما تأثر به، وانعكس ذلك على علاقة الاستشراق والاستغراب في العصور القديمة والوسطى، فكان الشرق هو المعطي والغرب هو المتأثر بحضارتنا، هذا لا يعني نفي مساهمة كل شعوب العالم في الحضارة، ولكن عندما نأخذ المعطيات ونجري المقارنة نجد أن العرب كانوا أصحاب اليد الأولى في هذه الحضارة والتيار المعتدل والموضوعي، يقول إن أصل النهضة الأوربية هي من المنطقة العربية، لكن في الفترة التالية حصلت متغيرات عالمية انتقل من بعدها مشعل الحضارة والنظام العالمي من العرب إلى أوربا. بعد أن قطع الأسبان والبرتغال الاحتكار العربي للطرق الاقتصادية العالمية بين الشرق والغرب، بمعرفتهم طريق رأس الرجاء الصالح عام 1488 واستعانتهم بابن ماجد للوصول إلى الهند، وكان ذلك بعد عشر سنوات،.. ثم جاء الاحتلال العثماني الذي هز الاقتصاد العربي في حين كان الغرب يعيش الثورة الصناعية والتقنية، وبالتالي أصبح الداخل العربي ضعيفا ومهلهلا، في حين كان الخارج الغربي يملك القوة، والأقوى يعطي أكثر مما يأخذ، فأصبح العرب متلقين للحضارة ومنفعلين غير فاعلين، وتعرضوا لهجمات تشوه حضارتهم وبعيدة عن مبادئهم، وأصابهم الإحساس بالدونية أمام القوة الغربية، في حين صار الغرب ينظر إلى المجتمع العربي بتعال، وهذا انعكس على مفهوم المستشرقين تجاه العرب الذين تخلفوا عن الركب الحضاري"."

الاستشراق والدعوة الإسلامية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت