نبيل شبيب
مرة أخرى.. يحل ما يسمى بيوم المرأة العالمي، في إطار مختلف الجهود المبذولة تحت عنوان"تحرير المرأة"، والذي يعني في الدرجة الأولى- من وجهة نظري- تحرير المرأة في"العالم الثالث"من الإنجاب ومن الحياة الأسرية إذا صح التعبير، وهذا مقابل تشجيع المرأة في الشريط الشمالي من الكرة الأرضية على الإنجاب في حياة أسرية أو غير أسرية على السواء، والسبب الرئيسي من وراء ذلك كامن في الخوف من وقوع الخلل المنتظر على صعيد التأمينات الاجتماعية، والاضطرار إلى جلب مزيد من"الأجانب"إلى المجتمعات الغربية!.
فقبل أيام معدودة من حلول يوم المرأة العالمي (8/3/2001م) نشرت الأمم المتحدة (28/2/2001م) تقريرا جديدا حول التنبؤات المستقبلية لتطوّر عدد سكان العالم، وعدّلت فيه تنبؤاتها السابقة نحو الأعلى؛ فعدد سكان العالم في عام 2050 م، بناء على التقرير الجديد سيصل إلى 9 مليارات و300 مليون نسمة، أي أكثر ممّا كانت تقول به التوقعات السابقة بحوالي 431 مليون نسمة، بزيادة تعادل 50 في المائة من سكان العالم في الوقت الحاضر.
استهلاك طفل أمريكي= منع إنجاب 60 طفلا مصريا
ويبرز التقرير أن سكان الدول الصناعية في حدود مليار و200 مليون نسمة سيبقى على حاله أو يتناقص؛ فالزيادة المتوقعة ستكون في الدول النامية على وجه التخصيص، وهذا- كما ترى المنظمة الدولية- لا يتطلّب العمل خلال وقت طويل متوافر يبلغ خمسين سنة، من أجل تعديل بنية توزيع الثروات العالمية، وإزالة الخلل الكبير فيها، بل يتطلّب الحدّ من الإنجاب في الجنوب، ولو تطلب ذلك إنفاق أضعاف ما ينفق على مشاريع التنمية والتطوير جميعا.
ولو أجرينا عملية حسابية تقارن متوسط ما يستهلكه الإنسان الفرد في الدول الصناعية خلال فترة حياته، من الثروات المتوافرة في الكوكب الأرضي، وما يستهلكه الإنسان الفرد في الجنوب، لوجدنا أنّه من المفروض منع إنجاب ستين طفلاً مصريًّا أو مائة طفل بنجالي، من أجل بقاء ما يكفي من الثروات الطبيعية لاستهلاك طفل واحد أمريكي أو أوروبي!
وكان لهذه الإشارة الصادرة عن الأمم المتحدة، بشأن سكان العالم قبيل حلول يوم المرأة العالمي، صداها المباشر في المواقف التقليدية لزعماء الدول الصناعية والمنظمات غير الحكومية العديدة، المنبثقة بتصوراتها ومنطلقاتها عن المجتمع الصناعي، وإن حملت عناوين دولية أو أعلنت أهدافا تؤكّد في صياغتها عدم التمييز بين إنسان وآخر فيما تقدم من خدمات؛ فكان المحور الرئيسي لتلك المواقف يركّز على الحدّ من الإنجاب، ويعتبر ذلك هو الوسيلة الرئيسية للنهوض بالمرأة، والمقصود هنا المرأة في البلدان النامية؛ فميزانيات دعم إنجاب الأطفال والتشجيع عليه في الدول الغربية تعادل عشرات أضعاف ميزانيات ما يوصف بالمساعدات الإنمائية.
الزواج المبكر.. ما وراء الانحسار
المنظمة الدولية لرعاية الطفولة/ يونيسيف مثلا اختارت قضية"الزواج المبكر"للتركيز عليها في يوم المرأة العالمي، داعية إلى مكافحته عالميا، مع تعداد أمثلة صارخة من النيبال وبنجلادش وسواها، دون أن تتعرّض إلى حقيقة ما تقول به الدراسات الطبية، من أن الإنجاب في سن مبكرة، هو الكفيل برعاية أسرية أفضل للطفل، أو أن المرأة التي تنجب الأطفال بعد بلوغها الثلاثين عامًا، أشدّ عرضة أثناء الحمل والوضع للمشكلات الصحية والنفسانية والاجتماعية..
كذلك لم تتعرّض منظمة رعاية الطفولة لانحسار ظاهرة الزواج المبكر في الدول الغربية، والتي أدت- مع أسباب أخرى- إلى انحسار ظاهرة الزواج نفسها في نهاية المطاف، وإلى انتشار العلاقات الجنسية دون زواج على أوسع نطاق؛ مما هبط بنسبة الزواج إلى نصف ما كانت عليه قبل ثلاثين عاما، ورفع نسبة الطلاق من تلك الزيجات المحدودة العدد من حوالي 30 إلى ما يناهز50 في المائة حاليا.
ولا غرابة إذن أن يصبح عدد الأطفال غير الشرعيين أكثر من الثلث، وعدد الأطفال الذين يعيشون مع أحد الأبوين فقط أو في الملاجئ أكثر من الثلث، وأن تصل نسبة الجوع بين الأطفال الأمريكيين إلى أكثر من عشرة في المائة، وأن تنتشر ظاهرة"تشرد الأطفال في الشوارع"إلى بلد كألمانيا، هذا فضلا عن ارتفاع نسبة الجرائم ونوعياتها بين الأطفال والناشئة، وانخفاض متوسط أعمار مرتكبيها انخفاضًا مريعا، وانتشار المخدرات على أوسع نطاق..