وضمن هذه الرؤية يمكن فهم إلحاح البعض على تفسير العلاقة بين الزوجين تفسيرًا اقتصاديًّا تكون فيه تبعية الزوجة للزوج اقتصاديًّا سببًا في خضوعها له وانصياعها لأوامره، ومن ثم تم اعتبار"تحرر المرأة الاقتصادي"المدخل الأساس لحريتها ونيل حقوقها. بل إن"جلال أمين"اتخذ من التفسير الاقتصادي مفتاحًا لقراءة التحولات التي طرأت على المرأة المصرية حتى في تفسير تغيرات الحالة العاطفية بين الزوجين أيضًا (كما يراها هو كاقتصادي) !
إن فكرة"عالمية"حقوق المرأة التي تستدعيها عالمية يوم المرأة، وفق الأجندة المطروحة للأمم المتحدة، تتصل بهذا التحيز، في محاولة لفرض النموذج الغربي المادي (تم إحصاء 40 فقرة تخالف الأديان في مؤتمر السكان والتنمية) من خلال مؤتمرات الأمم المتحدة، وتسخير سلطتها لإعطاء الشرعية للنموذج قانونيًا وسياسيًّا من خلال اتفاقيات تتعهد الدول الأعضاء بالإذعان لها، وتنفيذها عبر لجان ومؤسسات تراقب عملية التنفيذ.
ولعل أبرز تلك المؤتمرات والاتفاقيات: اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (1979) ، والمؤتمر الدولي للسكان والتنمية (1994) ، ومؤتمر بكين (1994) ، والتي ركزت على قضايا مركزية في النموذج الغربي، هي: الحرية الجنسية، والإجهاض، ومصطلح الجندر، وحقوق المرأة كفرد وليست كعضو في الأسرة، والمساواة/ المماثلة التامة بين الذكر والأنثى، وإلغاء مفهوم"تمايز"الأدوار، وازدراء"الأمومة"، واعتبار العمل المنزلي"بطالة"؛ لأنه دون مقابل مادي...
هذه المفاهيم كلها تركز على مفهوم"الفردية" (المرأة ككيان منفصل عن الأسرة والزوج) الحداثي لتلك المرأة التي تضحي بكل شيء مقابل ممارسة حريتها المطلقة وتأكيد وجودها، ولو كانت التضحية على حساب العائلة والأولاد؛ فالمرأة الإيطالية -مثلاً- بدأت"العزوف عن كثرة الإنجاب أو عن الإنجاب كلية أو حتى الزواج، وتطالب بتحول العلاقة بينها وبين الرجل إلى مفهوم المتعة التي يجب أن تتساوى فرصة الرجل والمرأة في الحصول عليها، وبالتالي تفضيل الوظيفة البيولوجية على الوظيفة الاجتماعية" (الحياة 25-5-2002) .
العالمية والخصوصية
لكن إذا كنا نعتبر أن"يوم المرأة العالمي"من التحيزات الكثيرة للنموذج الغربي المادي الحديث.. فهل يعني هذا أننا كمسلمين بريئون من تهمة"التحيز"؟ لا ولكن هل يعني هذا شرعية أن تتقوقع كل حضارة داخل نفسها لتشكل بِنية مُصْمَتة بذاتها؟ هذا لا يصح تاريخيا؛ فكل حضارة كانت تتفاعل مع الأخرى، وهذا التفاعل من طبيعته أن يشتمل على تأثر وتأثير (أخذ وعطاء) ، كما أن التقوقع لا يتفق مع"عالمية"رسالة الإسلام {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} . وبهذا فنحن لا ندعو إلى خصوصية"صلبة"ترفض الآخر وكل ما يتعلق به كلية بحجة أنه"غير إسلامي"لتصبح"الخصوصية"ذريعة للانعزالية والانكفاء على الذات؛ فتساوي بهذا ذريعة"العالمية"التي تعني في بعض التطبيقات"الارتماء"في أحضان الآخر من دون وعي.
نحن لا نرفض منطق"العالمية"كليةً إذن، ولا ننكر أن هناك مشتركًا إنسانيًّا على مستوى القيم والتصورات يشترك فيه الجميع بوصف كل واحد منهم"إنسانًا"، وإنما تأتي خصوصيتنا من مرجعية"الوحي"التي تضبط القيم والتصورات. ولذلك نشكك في مشروعية القول بعالمية"النموذج الغربي"للمرأة الذي يخرج على ثوابت دينية باتت معروفة، ونرفض جعل تاريخها هو تاريخ العالم، كما نرفض القول: إن مطالب المرأة الغربية هي نفسها مطالب كل امرأة في العالم.
إن تجاهلنا لمشاكل المرأة وغيابها أو تغييبها (بفعل عادات وتقاليد واجتهادات فقهية غير واعية) يجعل من الأولويات صناعة النموذج الإسلامي للمرأة، وإنتاج خطاب نسوي يمكن أن نحاور به الآخر.