أ.د. محمد اسحق الريفي
08/12/2006م
تطمح شعوبنا إلى التغيير الذي يؤدي إلى الإصلاح، وتسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى تغيير يؤدي إلى إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط جغرافياً وسياسياً وثقافياً، ورغم التناقض بين ما تطمح إليه شعوبنا من تغيير وما تسعى إليه الولايات المتحدة الأمريكية هناك توافق على أن عملية التغيير يجب أن تقوم على أساس الحد من سلطة أنظمة الحكم ونفوذها.
التغيير الذي تنشده الشعوب العربية والإسلامية يقوم على أساس استنهاض الأمة العربية والإسلامية، وتعزيز الثقافة والقيم والمبادئ الإسلامية، ويؤدي إلى الإصلاح في كافة المجالات خاصة تلك التي تتعلق بالحريات الإنسانية، وحقوق الإنسان، والمشاركة السياسية، وكذلك في المجالات التي تتيح للمواطن المساهمة في بناء مؤسسات الدولة وتطويرها، وتحقيق مواطنته الصالحة الفعالة.
تأتي استراتيجية التغيير الأمريكي في منطقتنا في سياق سعي الولايات المتحدة الأمريكية إلى إقامة نظام عالمي جديد تتفرد بقيادته، وتهيمن عليه، ويرتكز هذا التغيير على الأيديولوجية الأمريكية التي وضع أسسها فرانسيس فوكوياما من خلال نظريته التي أسماها «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» وصاغها صمويل هنتنغتون في نظريته «صراع الحضارات» ، وهي أيديولوجية تقدس النموذج الديمقراطي الأمريكي، وتعادي الحضارة الإسلامية باعتبارها نقيضاً ثقافياً وقيمياً للحضارة الغربية، وتهديداً خطيراً للهوية القومية الأمريكية.
لذلك فإنه من الواضح أن هناك تناقضاً كبيراً بين هذين التغييرين من حيث الأهداف والمفاهيم، والاستراتجيات والأدوات، وهذا يفسر التناقضات الهائلة في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه شعوبنا العربية والإسلامية، وازدواجية معاييرها، ويفسر التناقض بين ممارساتها على أرض الواقع وبين ما تنادي به من ديمقراطية، وما تتشدق به من مبادئ إنسانية، وما تدعيه من حرصها على الحريات الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات الدينية!
وهناك مشاهد عديدة في منطقتنا تعكس مدى تخبط سياسات الولايات المتحدة الأمريكية، وتناقضات ممارساتها وخططها، ففي المشهدين العراقي والأفغاني تستخدم الإدارة الأمريكية الفوضى المدمرة، وتشجع الاستبداد وعملائها وأدواتها من أجل تكوين أنظمة حكم خاضعة لها تنفذ أوامرها، وتحقق التغيير الذي تطمع به في منطقتنا.
كما أن المشهدين الصومالي والسوداني يعززان تفسيرنا للتناقضات الأمريكية على نحو ما أشرنا، ويكشفان الوجه الحقيقي للإدارة الأمريكية ونواياها، ويؤكدان لجوء الولايات المتحدة الأمريكية لزرع الفوضى الإقليمية من أجل إحداث التغيير الذي تسعى إليه والذي يتمثل في تفكيك منطقة الشرق الأوسط، وإعادة صياغتها على أساس الهيمنة الأمريكية الصهيونية على منطقتنا، وذلك بعد إضعاف الممانعة والمقاومة الشعبية الإسلامية فيها إن استطاعت.
إن هذه المشاهد المختلفة تعكس حالة الخوف التي تسيطر على الأمريكيين من وصول الإسلاميين إلى الحكم، وتفسر لنا سبب تغيير قناعات واشنطن فيما يتعلق بطريقة التغيير وأدواته، وسبب تشبث الولايات المتحدة الأمريكية بأنظمة الحكم العربية الموالية لها رغم استبدادها وفسادها، وعدم ديمقراطيتها، وانتهاء صلاحيتها، وإعاقتها للإصلاح والتنمية الإنسانية في البلاد التي تحكمها.
لذلك علينا ألا ننخدع بالتغيير والإصلاح والديمقراطية الذي تنادي به الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى شعوبنا ألا تنخدع بانتخابات هنا وهناك تؤدي إلى وصول بعض رموز الحركات الإسلامية والقيادات الشعبية إلى البرلمانات، ومجالس الشعب دون إحداث التغيير الذي تنشده شعوبنا، بل على شعوبنا أن تنطلق ذاتياً نحو التغيير الذي تنشده وتصحوا من غفلتها نافضة عنها غبار الأوهام، وممزقة لثوب اليأس الذي يلفها ويحجب عنها رؤية الأشياء على حقيقتها، فلا مجال للحديث عن التغيير في ظل ما نعيشه من أوهام التغيير الأمريكية والديمقراطية الأمريكية الزائفة، ولا فائدة من الحديث عن استنهاض الأمة في ظل مرض اليأس الذي أصاب شعوبنا، وأقعدها عن التغيير والإصلاح.
وفي ظل الانتكاسات العسكرية التي منيت بها الولايات المتحدة الأمريكية في العراق وأفغانستان، وتضعضع النفوذ الأمريكي في العالم، وانتصار المقاومة الإسلامية في فلسطين ولبنان على جيش الاحتلال الصهيوني؛ أدركت الولايات المتحدة الأمريكية استحالة إمكانية التغيير في بلادنا باستخدام قوتها العسكرية المفرطة، ويجب أن تنعكس هذه الظاهرة إيجابياً على قناعة شعوبنا بإمكانية التغيير والأمل في الإصلاح، فقد أصبح التغيير مرهوناً بانتصارنا في صراع الأذهان والوجدان، وقدرتنا على الانتصار في حرب العولمة الثقافية والمعرفية.