فهرس الكتاب

الصفحة 3954 من 27364

ثالوث العولمة القاهر: العسكرة والاقتصاد والثقافة

تعرض د. منير شفيق في هذه الورقة لمفهوم العولمة المركب فقد تاهت حقيقة العولمة بين اختلاف المثقفين والخبراء في توصيفها. البعض يرى أن العولمة نتيجة سعي رأس المال نحو تعظيم قيمة هامش ربحه عبر إلغاء الحدود المقيدة لحركته داخل وخارج الدول القومية.

البعض الآخر يرى أنها نتيجة التطور الهائل الذي لف صناعة أجهزة الاتصال، وبخاصة أجهزة الاتصال الجماهيري، فيما سمي بثورة الاتصال، وهو ما أتاح لصاحب السطوة في هذا المجال أن يفرض قيمه ورموزه وأنماط حياته على الآخرين، سواء في ذلك مَن وافقه في الانتماء الحضاري أو من خالفه.

البعض الثالث يرى العولمة نوعاً من أنواع البرامج الحياتية المرتبطة بالهيمنة السياسية التي يسعى الغرب، ومن ضمنه الولايات المتحدة، بصورة قد تكون مستقلة بعض الشيء، إلى فرضها.

كيف يتعامل الأستاذ منير شفيق مع هذه التنويعة من الأفكار؟ وكيف يركب منها تصوره عن جوهر العولمة؟ هذا ما يجيبنا عليه المقال التالي.

الاقتصاد: المحرك الرئيسي للعولمة

الدولار يقهر العملات كما تقهر أمريكا الدول

العولمة ليست العالمية؛ ولهذا يخطئ من يعتبرها العالمية بالرغم من أنها ذات سمة عالمية. فليس كل من يحمل سمة عالمية يحمل المحتوى نفسه أو الشكل نفسه؛ فالعالمية الرأسمالية وهي سمة صاحبت الرأسمالية دائمًا غير العالمية الاشتراكية وغير العالمية الإسلامية وغير العالمية التي مثلتها حركة عدم الانحياز. والعولمة تختلف عن هذه جميعًا، كما أن كل عالمية مختلفة نوعيًا عن العالمية الأخرى.

فالخلط بين العولمة والعالميات آنفة الذكر يفتقر إلى الدقة العلمية. كما قد يحمل تمويهًا لحقيقة العولمة وتدليسًا من أجل تمريرها بدلاً من الغوص في دراسة سماتها، باعتبارها ظاهرة جديدة لا تزال تتشكل الآن على مستوى العالم بقدر ما أنها على درجة من القوة بحيث تسهم نفسها في تشكيل العالم والتأثير فيه.

العولمة هي نظام رأسمالي عالمي، ولكنها ذات سمات تختلف عن الأنظمة الرأسمالية العالمية السابقة، سواء أكانت تلك التي عُرفت مع بداية ما يُسمّى بعصر النهضة أو التنوير، أو تلك التي عرفها القرن التاسع عشر، أو تلك التي عرفها العالم ما بين الحربين العالميتين أو تلك التي سادت إبان ما سُمي مرحلة الحرب الباردة.

فالتشديد على الأصول والسمات الرأسمالية للعولمة - بالرغم من أهميته وضرورته وصحته- فإنه يجب ألا يطغى على البحث في خصوصية هذه العولمة الرأسمالية المالية التي تحاول الآن فرض سيطرتها على العالم.

يمكن أن يقال الكثير في إبراز السمة الإمبريالية (التوسعية ذات النزعة الاستغلالية) للعولمة، ويجب أن ُيقال هذا الكثير ولكن دون أن يقود إلى اعتبار أننا أمام الحالة الإمبريالية التي عرفتها الحرب الباردة، أو مرحلة الاستعمار المباشر والاستعمار الجديد، أو مرحلة الرأسمالية التجارية النهائية التي عجَّ بها القرن التاسع عشر.

ويكفي أن نلحظ أن الاستغلال الرأسمالي للطبقة العاملة في بلدان المتروبول (عواصم الدول الاستعمارية الرأسمالية) ، والذي تحدث عنه ماركس في مؤلفه الشهير"رأس المال"-وعلى التحديد إشكالية التراكم الرأسمالي- لم يعد هو الذي يسود عالم التراكم الرأسمالي في عهد العولمة.. كما أن مرحلة الرأسمالية الاحتكارية -وهي مرحلة الترستات والكارتيلات وتصدير رؤوس الأموال واقتسام العالم وإعادة اقتسامه- اعتبرها لينين أعلى مراحل الرأسمالية وسماها مرحلة الإمبريالية؛ وهو ما أحدث قفزة في التراكم الرأسمالي، وفي السيطرة على العالم وتقسيمه إلى مناطق نفوذ فيما بين الدول الرأسمالية، وهي مرحلة تجاوزت رأسمالية فائض القيمة الناجمة عن العمل في المصنع، علمًا بأن التراكم الرأسمالي الآتي من النهب الخارجي صاحَب الرأسمالية في كل عهودها، بل كان سابقًا لها وسببًا في نشوئها.. والأمر كذلك في المرحلة المتأخرة، والتي أسهمت في ولادة رأسمالية العولمة، وعلى التحديد مرحلة الشركات متعدية الجنسية، خصوصًا مع وبعد مرحلة سيادة رأسمالية البورصة أو قل رأسمالية المضاربة المالية في البورصة.

ويكفي أن نلحظ التجارة العالمية الآن، والتي تحمل الإنتاج البضاعي الفعلي؛ حيث تشكل نسبة ضئيلة مقارنة بحركة انتقال رؤوس الأموال اليوم. فما يجري يوميًا في عالم رأس المال الورقي في المضاربات على العملة وفي الأسهم وما شابه يزيد على ثلاثين ضعف ما يتم في نطاق حركة البضائع. وهي نسبة تتزايد هوتها باستمرار بين التجارة الفعلية والتجارة الورقية.

ومن يقرأ ميثاق منظمة التجارة العالمية يمكنه أن يحدد مجموعة من السمات التي تتصف بها العولمة، ولو نظريًا، فيما يتعلق بالتجارة العالمية وانتقال رؤوس الأموال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت