فهرس الكتاب

الصفحة 5808 من 27364

تمزيق(( الأقنعة ))العلمانية .. !

فلسفة العلمانية ومنهجها القائم على عزل الدين عن شؤون الحياة ، ومن ثم فاختزاله في أوضاع محددة ، لا شك أنها فلسفة مناقضة تماما لدين الإسلام ، ومصادمة كليا لأصول الشريعة وكلياتها ، وهي فلسفة نشأت وترعرعت في ظل ظروف بيئية وفكرية معينة ، وفي أوضاع اجتماعية ودينية معروفة ، ساعدت على نجاح هذه الفلسفة ، وتبوأها للصدارة في تلك البلاد ، إذ كانت قارب نجاة من جحيم التخلف والظلم والطغيان الكنسي الآثم ، فأتى بعض الأغبياء من قومنا فجاءوا بها ( كما هي ) ونقلوها لبلاد الإسلام ،معتقدين أن لا صلاح لنا إلا باعتناقها ، والسير في ظلامتها ..

مع أن السبب الذي قامت عليه هذه الفلسفة ليس موجودا بالأصل في بلاد المسلمين ، والدين الذي انقلب عليه أولئك العلمانيون ، ليس هو الدين الذي يريدوننا أن ننقلب عليه ، فجاء اولئكم المغفلين ( أو المستخدمين ! ) بها كما هي وأبوا إلا أن يلبسونا قميصا خيط لغيرنا ... !!

ولشناعة هذه النظرية ومناقضتها التامة الصريحة للإسلام ، فقد نفرت منها المجتمعات الإسلامية قاطبة ، ولفظتها ولم تستسغ هضمها ، فرفضتها بالكلية ، ولم تجد هذه العلمانية البئيسة أي اثر أو انتشار لها لدى الشارع الإسلامي البسيط !

وبقيت العلمانية تسمع صدى نفسها من خلال اطروحات ( نخبها المثقفة ) وتعدد ( ندواتها المتكلفة ) بلا تأثير يذكر ، في فكر المجتمع أو سلوكه أو أدبياته

وفي مجتمعنا خاصة .. تجد هذا النفور اشد وضوحا ، وأكثر جلاء ،من هذا المصطلح ، ومن جميع المنطوين تحت عباءته ، وتلبس أي فرد من المجتمع بمثل هذه الأفكار ، كاف جدا لمحاصرته ومقاطعته من أفراد مجتمعه بل وحتى من أقاربه وأهل بيته !

بل وحتى من كان له ميل أو تعاطف مع العلمانية أو بعض رموزها ، أصابهم شي كبير من هذا النفور والتقاطع مع المجتمع وأهله .

ولقد الفت مسامعنا واعتادت إبصارنا خروج بعض ( الملوثين بهذه الأفكار ) ليبرئ ساحته من العلمانية ، ويدفع عنه مغبة هذه التهمة ، بل حتى قال بعضهم: انه لا وجود لأي علماني في هذه البلاد !

وهذه بعض الشواهد على الرفض الشعبي الكبير لهذه الفلسفة الآثمة ، ولأفكارها ، ومنظريها ..

ففي هذا المجتمع .. حيث التدين ظاهر .. والشعائر قائمة .. والعلم منتشر .. والنصوص مقدسة .. والشريعة محكمة ..

لأجل هذا وغيره لم يتمكن العلمانيون من مصادمة المجتمع كله بهذه الأفكار الصريحة ، فلجأوا إلى أسلوب جديد من أساليبهم الرخيصة ، التي يصوغونها ويقلبونها بحسب المجتمع كصنيع تلك الحرباء .. فلم يسع العلمانيون إلا التمسح و ( التقنع ) بالنصوص ، مع أنهم لا يرون للنص قدسية في الأصل ، ولكن جعلوا النصوص سلالم للوصول لغاياتهم ، واتخذوا من بعض النصوص أقنعة يتسترون بها ، ويخادعون بها الناس ، وما عليك سوى أن تخلع هذا القناع الجميل ، ليبدو لك الوجه البشع القبيح .. !

فالهدف واحد هو ( عزل الدين عن الحياة ) ، والأقنعة متعددة ، فإلى عرض وتمزيق بعض هذه الأقنعة .. !

القناع الأول: انتم اعلم بأمور دنياكم .

وهذا القناع في ظاهره نص نبوي شريف ، والتسليم به واجب على كل مسلم ، فالشؤون الحياتية والمعاملاتية قائمة على ساق الإباحة والسعة ما لم تخالف نصا شرعيا ..

لكن الإشكالية أن يأتي ( المتقنع ) بهذا الحديث ليمرر فكرته الداعية إلى أن أمور الدنيا كلها مباحة وتبع للمصلحة ولا رأي للشرع في شي منها ، ولأجل ذا فتوجيه سؤال واحد كاف في تجلية هذا القناع ، وبيان زيفه وغشه: السؤال هو: ماذا عن النصوص الشرعية المحرمة لبعض المعاملات والنشاطات المتعلقة بالشؤون الحياتية .. !

فليجب حينها ..ثم ا سمعوا .. !

القناع الثاني: التفريق بين الشريعة والفقه .

فتكون القداسة والاحترام هي للشرع الذي هو النص ، وأما الفقه الذي هو فهم النص فهذا مما تختلف فيه الافهام والاتجاهات ، والقارئ لهذا الكلام في بادئ الرأي يرى فيه تعظيما للنص وتقديسا للشرع لكنه في حقيقته سلخ للدين من مضمونه وإبقاءه طقوسا جوفاء لا تحمل دلالة ولا معنى ملزم .. !

نعم ... فليس الفقه المستفاد من الشرع هو المقدس المحترم في المسائل الاجتهادية التي وقع فيها الخلاف المقبول المنطوي تحت ما يسوغ فيه الاجتهاد ، فليس قول صحابي أو عالم بأولى من قول غيرهم ، لكن أن يعمم هذا في كل فهم للنص ، ويسوغ أي تفسير للشرع ، يصل بنا في نهايته إلى تعطيل تام للنصوص ، وعزل كامل للشرع عن أية حجة أو بينة ، ويبقى دين رب العالمين لفظا جامدا أجوفا يصلح للشي وضده ! وللشرك وللتوحيد ! وللإثبات والنفي !

وذلك أن كل النصوص الشرعية بلا استثناء ، وكل أصول الإسلام ومبانيه الكبار ، وكلياته العظام ، كلها بدءا من الشهادتين وبقية أركان إلى البعث والحساب والجنة والنار ، وتوحيد البارى في ربوبيته والوهيته وأسماءه وصفاته ، وغيرها كثير ، كلها قد وقعت فيها تفسيرات متعددة من المنتسبين للإسلام !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت