فهرس الكتاب

الصفحة 24376 من 27364

بقلم: د. رسول محمد رسول

حتى عام 1996، كان صامويل هنتنجتون واحداً من الباحثين البارزين الذي اجتهد لصياغة رؤية تفسيرية، بالاستناد إلى مجريات الواقع الحضاري الذي يعيشه العالم، وبما أن كل رؤية تفسيرية تنطلق من ثابت منطقي ووجدي أحياناً، فإن هنتنجتون يعتمد مقولة (الصدام The Calsh ) كتعبير عن لحظة الصراع الذي يجري وسيستمر في أرض الواقع، لكي تكون هذه المقولة ذات دلالات عامة وشمولية فإنه يحقنها بقوة دلالية مضافة لتصبح أكثر تعبيراً عن جوهرية هذا الصدام، واتساع شموليته، فمن الصدام الحضاري إلى الصدام الكوني، ومن الصدام الجزئي، بين طرفين أو ثلاثة إلى صدام كلي تشترك فيه مجمل القوى البشرية بمختلف تشكيلاتها.

وكما هو معتاد، فإن أي مفهوم إجرائي لابد أن يشتغل في مجال ما وإلا ظل سابحاً في فضاء معطل، فالتعبير يجري ضمن مجال، فأما أن يصل إلى التطابق بين إرادة التغيير، أو يصل إلى حالة الصدام والتنافر بين الإرادات المضادة، والمجال الذي يفترض فيه هنتنجتون (التغيير والصدام) هو مجال (( الحضارات ) )فالتغيير يجري في وضعية الحضارات، والصدام سيكون فيما بينها، وهنا إقصاء لرؤية الانسجام والتوائم الحضاري، وإنزال التنابذ والتنافر إلى حيزات الواقع الفعلي.

ثمة مفاهيم ذات مساس مباشر بالخطاب العام الذي يشتغل فيه كتاب (هنتنجتون) وهي: مفهوم الحضارات، مسألة الحضارة الكونية، العلاقة بين القوة والثقافة، ميزان القوى المتغير بين الحضارات، التأصيل في المجتمعات غير الغربية، البنية السياسية للحضارات، الصراعات التي تولدها عالمية الغرب، العسكرية الإسلامية، التوازن والاستجابات المنحازة للقوة الصينية، أسباب حروب خطوط التقسيم الحضاري والعوامل المحركة لها ومستقبل الغرب وحضارات العالم.

هذه المفاهيم، أو التكوينات المفهومية، تتمفصل في خمسة محاور أساسية هي:

1 ـ لأول مرة في التاريخ نجد (الثقافة الكونية) متعددة الأقطاب ومتعددة الحضارات، التحديث مختلف بدرجة بينة عن التغريب، ولا يُنتج حضارة كونية بأي معنى، ولا يؤدي إلى تغريب المجتمعات غير الغربية.

2 ـ ميزان القوى بين الحضارات يتغيرن الغرب يتدهور في تأثيره النسبي، الحضارات الآسيوية تبسط قوتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية، الإسلام ينفجر سكانياً مع ما ينتج عن ذلك من عدم استقرار بالنسبة للدول الإسلامية وجيرانها، والحضارات غير الغربية عموماً تُعيد تأكيد ثقافتها الخاصة.

3 ـ نظام عالمي قائم على الحضارة يخرج إلى حيز الوجود، المجتمعات التي تشترك في علاقات قربى ثقافية تتعاون معاً، الجهود المبذولة لتحويل المجتمعات من حضارة إلى أخرى فاشلة، الدول تتجمع حول دولة المركز أو دولة القيادة في حضارتها.

4 ـ مزاعم الغرب في العالمية تضعه بشكل متزايد في (صراع مع الحضارات الأخرى) وأخطرها مع (الإسلام والصين) ، وعلى المستوى المحلي، فإن حروب خطوط التقسيم الحضاري، وبخاصة بين المسلمين وغير المسلمين، ينتج عنها (تجمع الدول المتقاربة) ، وخطر التصعيد على نطاق واسع، وبالتالي جهود من دول المركز لإيقاف تلك الحروب.

5 ـ إن بقاء الغرب يتوقف على الأمريكيين بتأكيدهم على (الهوية الغربية) ، وعلى الغربيين عندما يقبلون حضارتهم كحضارة (فريدة) ، وليست عامة، ويتحدون من أجل تجديدها، والحفاظ عليها ضد التحديات القادمة من المجتمعات غير الغربية، إن تجنب حرب حضارات كونية يتوقف على قبول قادة العالم بالشخصية متعددة الحضارات للسياسة الدولية وتعاونهم للحفاظ عليها.

تُشير هذه المحاور إلى إن عالم ما بعد الحرب الباردة متعدد الأقطاب، يفتقر إلى تقسيم واحد ومحدد، كالذي كان أثناء الحرب الباردة، هذه الأقطاب هي (الحضارات) التي يتكون منها العالم، وهي: الصينية، اليابانية، الهندية، الإسلامية، الغربية، الأفريقية وأمريكا اللاتينية، وما يحكم العلاقات بين هذه الحضارات هو (الصدام) ، هذا الصدام ينطلق ويعود بالاستناد إلى (الثقافة) أو إلى (الهوية) ، ذلك (( إن الثقافة أو الهويات الثقافية، والتي هي على المستوى العام، هويات حضارية، هي التي تشكل أنماط التماسك والتفسخ والصراع في عالم ما بعد الحرب الباردة .. ) )على أن العوامل الثقافية المشتركة والاختلافات هي التي تشكل المصالح والخصومات وتقاربات الدول، ونلاحظ إن أهم دول العالم جاءت من حضارات مختلفة، والصراعات الأكثر ترجيحاً أن تمتد إلى حروب أوسع، هي الصراعات القائمة بين جماعات ودول من حضارات مختلفة، وأشكال التطور السياسي والاقتصادي السائدة تختلف من حضارة إلى أخرى، والقضايا السياسية على أجندة العالم تتضمن (الاختلافات بين الحضارات) ، والقوة تنتقل من الغرب الذي كانت له السيطرة طويلاً إلى الحضارات غير العربية، والسياسة الكونية أصبحت متعددة الأقطاب ومتعددة الحضارات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت