شريف قاسم
للدخول في ميدان هذا الموضوع، تتعدد الأبواب، وتتنوع الطروحات سيما وأن انكشاف عورة العولمة، فضح أسرار الهجمة الشرسة على الإسلام، وعلى الأمة المسلمة، ومحاولة طمس الهوية المتلألئة بأنوار القيم الربانية، منذ ظهور الإسلام في جزيرة العرب المباركة، ولعل التحدي الأكبر هو تجميع الدول الاستعمارية منذ عقود لليهود في أرض فلسطين، وإقامة كيانهم اللعين بقرار التقسيم عام 1947م، وتسليح هذا الكيان وحمايته من قبل تلك الدول نفسها، حيث وجد اليهود الصهاينة ضالتهم التي حشدوا لها أوهامهم التاريخية، وأباطيلهم الدينية، فالدخول من هذا الباب يكشف ما أعد الله لهؤلاء اليهود من هوان وذلة، وما ألبسهم من ثياب اللعنة الأبدية، مهما رسموا من خرائط، ومهما بنوا من جدران، ومهما وسعوا من أحياء ومستوطنات حول القدس، وغيرها من البقاع الطاهرة غرب النهر، فوجود اليهود في القدس خاصة، وفي سائر الأرض الفلسطينية عامة، هو التحدي الأكبر حقيقة للأمة الإسلامية.
ولقد قال بن جوريون:"لا معنى لإسرائيل بدون القدس ولا معنى للقدس بدون الهيكل". أما الحاخام شلومو جورين فقد قال بكل قوة وجرأة:"إن حركة رابطة الدفاع اليهودي ستخوض صراعاً حاداً من أجل استعادة الهيكل، وإزالة المساجد، بما فيها المسجد الأقصى"وهذا الحقد وهذا العداء ليس بجديد، ولكنه ممتد منذ القدم، فلقد وقف زعيم اليهود حيي بن أخطب وأخوه ينظران في مقدم النبي يوم وصوله مهاجراً إلى المدينة المنورة، فقال أبو ياسر لأخيه حيي: أهو؟ قال حيي: نعم والله. قال أخوه: أتعرفته وتثبته؟ قال: نعم، فقال أبو ياسر: فما في نفسك منه؟ قال اللعين:"عداوته ما بقيت"، فاليهود هم اليهود في عهدهم القديم، وفي تلمودهم البابلي وفي الآخر الأورشليمي، وهم هم في كل طوائفهم المتعددة والمتناحرة.
فأمتنا اليوم تواجه معركة مصيرها، وليست المعركة معركة مصطلحات، أو بيانات ولقاءات، وإنما هي معركة الأمة في الدفاع عن عقيدتها الإسلامية، وعن وجوب حضورها لأداء مهمتها بين الناس، إن كل طبول المصطلحات المحدثة صناعة غريبة عنا، وعن قيمنا، صاغتها الدوائر المغلقة من صهيونية وصليبية، وأعدتها على شكل مشاريع لتغري بها المسلمين، ولقد استهوت بعض المسلمين الذين تعلقوا بذراع ما يسمى بالتقدمية أو الثورية، فلطخوا أفكارهم، وزينوا رؤاهم بأنواع المساحيق المستوردة، ونظروا إلى خطوط هويتهم الجديدة في مراياهم الخاصة فأعجبتهم، وكانت خسارتهم باهظة، وانعكست على أمتهم بهذا الانحدار المريع، حيث تقف الأمة اليوم في حالة من الوجوم يتشح وجهها بغبار النكبات والانتكاسات المتلاحقة، وتعلق على صدرها المحطم أوسمة الزيف المياسة، وتغشي قيمها السامية سحب احتقان آلام المساءات الحزينة بدموع الثكالى وأنين اليتامى، وهي تنظر بأسف وحسرة في حركة تسويق الشعارات بأسماء الشهداء والأبرياء، وحيناً ترنو بابتسامات اليأس التي تدرها أشداق الموغلين في إرهاقها ببريق قسوة سيوف القهر والإذلال، وأحياناً تسخر إذا اختلطت صيحات الذئاب الأهلية بتهدج سبحات الفجر الساطع بالأمل والرجاء، وحيث تتوهم أنيابها الآثمة أنها تحمي حضور التقهقر المرير من فضيحة بدت عارية، ولتعود تقطع أسيجة الفطرة الضاربة في سواد العيون المؤمنة، وفي أعماق الأحناء الطاهرة.
لقد ساخت حكايا عنترياتهم المملة في مستنقعات قذارة أفكارهم ورؤاهم وسلوكهم، التي ملأت سلالها المتعفنة بالحشف، ولم يمل ميزان عتوهم المضحك من سوء الكيل، يوم ملأت ديباجات أكاذيبهم شهادات الامتياز بحروف الزور الباهتة، لا بأحرف المجد الظليلة، ولا ببهاء قناديل الفتح التي أوقدتها أمتنا بربانيتها عبر العصور.
إن جمهور الطغاة يمتد في فراغ وهمهم، جمهوراً عريضاً طويلاً، ولكنه بلا مشاعر، وامتداده نتيجة لنهوض أسياده بتوسيع مساحات الفراغ، فلا عقيدة ولا قيم ولا أخلاق، فالمكان أخلوه إلا من حضارة الشيطان، فهو جمهور لم يعرف الالتزام بقيم القضايا المقدسة عند الأمة الثاكلة، تلك الأمة الربانية التي يجندها الوعي والإيمان فلا تعرف إلا نجاوى المقربين، وميادين الجهاد، وهي مطمئنة لوعد الله بالفتح والتمكين، وهذا هو الانتماء الرباني لها، ولا مكان ولا قيمة عندها لكل الفلسفات المتناقضة، التي تجتر عداءها لأنصار الدعوة الإسلامية، ولا اهتمام لديها لكل المفردات والنصوص الاصطناعية التي صاغها أعداء الله، ورددها الأغبياء من أبناء جلدتنا: رجعية.. تقاليد بالية.. إرث محنط.. إلى آخره، وتلتها المفردات المبتكرة حسب الطلب أصولية.. إرهابية.. مع تلميع المصطلحات الباهتة من: حداثة.. معاصرة.. علمنة.. عولمة.. إلى آخر شريط العبارات الجوفاء المزيفة، التي يحاول مبتكروها ومصنعوها بواسطتها تصويح نضارة الأمة التي تحميها ربانيتها الحقة، وتجفيف منابعها الثرة.