فهرس الكتاب

الصفحة 25327 من 27364

لقد استغرق منا الحديث عن المستقبل العسكري المتوقع للمنطقة كامل الحلقة السابقة ، والحديث عن المستقبل العسكري هو جزء من جواب السؤال الأخير ، ولم نطل في الإجابة على الجانب العسكري ، إلا عندما اضطررنا لذكر جذور التدخل العسكري الأمريكي واستراتيجيته في المنطقة ، لنتمكن على ضوئه من فهم التحركات الأمريكية العسكرية والسياسية في المنطقة ، ففهم استراتيجية وأهداف ووسائل التدخل العسكري الأمريكي يتيح لنا كثيراً فهم ما بعده من تحركات حالية أو لاحقة .

وفي هذه الحلقة سنحاول الحديث عن التوقعات السياسية للمنطقة ، لنكمل بذلك الإجابة على السؤال الأخيرة في سلسلة هذه الحلقات ، ونعيد طرح السؤال الأخير ، وهو:-

س 35: ما هو المستقبل الديني والعسكري و السياسي والاقتصادي للمنطقة في حال انتصار أي الطرفين في العراق ؟ وماذا نفعل لتجنب هذه الآثار السلبية ؟ .

توصيف الواقع السياسي العالمي اليوم:

ج 35: إن الإجابة على المستقبل السياسي للمنطقة يحتاج إلى إطالة حتى نأتي على تشعبات الموضوع ، لأن السلاح السياسي اليوم هو يعد رأس الحربة في تحركات العدو العسكرية والاقتصادية والدينية والفكرية والثقافية ، لذا فإن الإطار السياسي هو إطار يضم جميع الأطر الأخرى ولكن بأسلوب آخر ، ونستطيع أن نقول أن هناك عموم وخصوص بين جميع المجالات وبين السياسة ، فبالإمكان أن نقول بأن كل عمل عسكري يعد سياسياً من وجه ، ولا يمكن أن نقول بأن كل عمل سياسي يعد عسكرياً ، وهكذا فالسياسة تكون بالأفعال وبالأقوال وبالإيماء ، فهي مفهوم واسع ، وكلما كانت الجماعة أو الدولة حاذقة سياسياً فبإمكانها تحقيق أهدافها في المجالات الأخرى بالأسلوب السياسي ، ولن ندخل في تعريف السياسة في العلم الحديث ، وتعريفها لدى المسلمين في مفهومها الشرعي ، فهذا يخرجنا عن صلب موضوعنا ، ولكن ما نرغب أن نقوله هو أن السياسة متشعبة جداً ومتداخلة مع جميع المجالات بشكل أو بآخر ، ولكن السمة الرئيسة اليوم للسياسة الدولية هي الخداع والكذب والمراوغة وتزوير الحقائق أو إنكارها ، فهذه سمات تميز السياسة الدولية اليوم وتميز العلاقة بين الدول ، فلا عهود ولا مواثيق تحترم فالمصلحة هي فوق كل شيء ، وصدق المواثيق والعهود في بعض المعاملات السياسية اليوم ، ليس عائداً لرغبة هذه الدولة أو تلك بالصدق ، ولكنه عائد لحاجة هذه الدولة أو تلك إلى الوفاء والصدق لما لها من مصالح مع الطرف أو الأطراف الأخرى .

يتلخص لنا من ذلك أن النظام العالمي الجديد قام على أصول سياسية نستطيع أن نسميهاً ( بيت العنكبوت ) ، فهي وإن كانت مترابطة كبيت العنكبوت بشكل كبير جداً ، إلا أنها من أوهن البيوت وتكفي ريح خفيفة لتفك ترابط هذا النسيج ، ونشاهد أن العلاقات السياسية المتينة والمضروبة منذ عقود بين بعض الدول ، لا تحتاج إلا إلى تصريح من جملة واحدة يطلقه مسئول ثمل ليهدم كل شيء ، ولا يوجد دولة ملزمة بالوفاء بالعهود والمواثيق إلا إذا كانت محتاجة إلى غيرها سواء كان غيرها دولة أو جماعة أو تكتل أو منظمة دولية ، وهذا يعني أن الدولة القوية التي لا تحتاج إلى أحد فلا يوجد من يلزمها بالوفاء في مواثيقها والصدق بعودها ، ومعنى هذا أن سياستها هي كحبال سحرة فرعون يخيل للناس أنها تسعى وهي ليست كذلك .

إذاً من كلامنا السابق نفهم بأن الدولة المتمكنة والمستغنية عن بقية الدول والمنظمات هي التي تفرض سياساتها على الآخرين ، وأنها لايمكن أن تصدق إلا إذا احتاجت للآخرين وخافت على اقتصادها أو على سياستها أو على وطنها أو على أي مصلحة لها ، هكذا أصبحت السياسة العالمية بشكل عام ، وهناك شواهد كثيرة تتكرر كل يوم ، وعلى هذا فإن الضعيف عليه أن يتبع القوي أو يسعى ليكون قوة تحترم ، وهذه هي شريعة الغاب التي يتحكم فيها القوي بمقدرات الضعيف ، فنصل إلى توصيف مفاده أننا في غابة قانونها يقول إذا لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب .

وحتى لا نطيل بتكرار ما تحدثنا عنه في الحلقة الماضية ، نقول بأن العقيدة العسكرية أو العمل العسكري هو المقدمة الأولى لفرض السياسة ، وهناك مقولة تقول بأن السياسة والعسكرية وجهان لعملة ، فذكرنا في الحلقة الماضية للاستراتيجية العسكرية الأمريكية في المنطقة ، هو ذكر لبعض الأصول السياسية الأمريكية في المنطقة أيضاً .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت