سليمان بن صالح الخراشي
صدر عن المركز الثقافي العربي كتاب جديد بعنوان"حكاية الحداثة في المملكة العربية السعودية"للدكتور / عبد الله الغذامي ، وهذا العنوان يغري كل متابع للساحة الثقافية بالمملكة ، فلذا حرصت كثيراً على قراءته لأهمية موضوعة - بالنسبة لي على الأقل - ، وبعد فراغي منه كانت هذه المدونات المركزة ، التي أحببت نشرها تفاعلاً مع الكتاب وصاحبه وقرائه:
1-عنوان الكتاب أضخم من مضمونه !! وقد تفاجأت بهذا الأمر ؛ لأن كاتبه كان في يوم ما يعد سادن الحداثة وقطبها في بلادنا . فتوقعت أن أجد عنده من الأسرار والخفايا مالا أجده عند غيره . إلا أن الأمر كما قيل"تسمع بالمعيدي خير من أن تراه".
فملخص الكتاب: أن بلادنا كانت تعيش"نسقاً"فكرياً واجتماعياً محافظاً ثابتاً رغم بعض المحاولات الفردية ممن يسميهم الغذامي"بالمستنيرين"! كحمزة شحاتة ومحمد حسن عواد .. ثم حدث التعليم .. فظهر جيل مثقف من"الشباب المبدعين"كمحمد العلي والدميني والحميدين .. ثم ظهرت"المثقفة".. ثم جاءت الموجة الحدايثة الثالثة .. إلى أن اصطدمت بالآخر"المحافظ"! وهم العلماء والدعاة وأبناء المجتمع المسلم . فانكسرت الحداثة باعتراف بعض دعاتها ! كالسريحي .
هذه باختصار مضامين كتاب الغذامي ! ولا أظنه أتى بجديد ، سوى بعض الأحداث الشخصية التي مرت به في جامعة الملك عبد العزيز بجدة .
2-كان الأولى بالكاتب أن يجعل كتابه من قبيل"السيرة الذاتية"؛ لأنه جعل الحداثة وحكايتها تدوران وتتمركزان حوله . فهو"القضية"وهو"الناقد"وهو"المدافع"وهو"المتهم"ثم هو"البريء"! ."صرت أسمع تعليقات الزملاء التي تقول إن ما كان بيد الغذامي من مسؤوليات أسند الآن إلى أربعة أشخاص" ( ص225 ) !
3_ أثنى الغذامي على"محمد حسن عواد"كما سبق بصفته أحد"المستنيرين" ( ص59 ) الذين سعوا إلى تحديث مجتمعنا ، لا سيما من خلال كتابه الشهير"خواطر مصرحة"الذي أعطي أكبر من حجمه؛لأن الكتاب مجرد مقالات إنشائية عن نواحي الحياة المختلفة تذكرني وأمثالي بموضوعات مادة"المطالعة"في المرحلة الابتدائية !
وتذمر العواد في كتابه من"علماء"عصره وسخريته اللاذعة بهم ، كقوله"كم جلبت لنا من المصائب تلك العمائم المشيدة فوق الرؤس" ( ص 113 ضمن الأعمال الكاملة ) ، يعني بهم علماء الحجاز في عصره ممن انكفأ على عاداته وبدعه ولم يقبل غيرهما ، ولهذا نجد العواد يدعوهم إلى الاقتداء بابن القيم ( 18- 21 من خواطره) .
ولكن كيف فات على الغذامي المعجب بالعواد: غلو الأخير في مدح الغرب ( كما في ص 82،62 من خواطره ) مما حدا بمقدم الكتاب عبد الوهاب آشي أن ينكر عليه هذا الأمر . وكذا قال العطار عنه:"أثرت فيه فلسفة المتمردين من كتاب الشرق والغرب" ( العواد أبعاد وملامح ، ص 226 ) .
وكيف فات على الغذامي المفتخر بتدينه وتتلمذه على الشيخ ابن عثيمين رحمه الله ! قول العواد في كتابه السابق لنساء السعودية:"زحزحن بأيديكن هذا الحجاب الدخيل على عادات العرب وعلى مبادئ الدين ( !! ) وعلى أسس الأخلاق الشريفة العاملة ( !! ) " ( ديوان العواد 2/374 نقلاً عن خواطر مصرحة الجزء الثاني ) .
فهل الغذامي المسلم ! يؤيد العواد في هذا التحرر ؟! وهل يرضاه لنساء هذه البلاد ؟! وهل هو من شروط الكاتب"المستنير"؟! ثم هل تُعجز مثل هذه الأمور التافهة ( التذمر من المجتمع أو الدعوة لنزع الحجاب ، أو الشكوى من السلطة السياسية والدينية ! ) أي كاتب ولو كان من سفلة الكتاب ( تعليماً وفناً وأخلاقاً ) لكي يحظى من الغذامي وإخوانه بوصف ( الكاتب المستنير ) أو ( المثقف التقدمي ) .. الخ الأوصاف الرنانة ؟!
ما أسهل التقدم حينئذٍ !
تنيبه: يفتخر الحداثيون كشأن أستاذهم الغذامي بالعواد ويعدونه من طلائعهم في بلادنا للأسباب السابقة ! ولهذا فقد تتابعوا على تأبينه وذكر محاسنه . ومنهم علي الدميني الذي يقول فيه:"إننا لنعذر له هذا التطرف ، بل ونجله له ، ونصنع من تلك المواقف المتمردة علي الصيغ الأدبية الجامدة ، والكتب الجافة ، وعلي المتزمتين في شتئ شؤون الحياة ، وعلي النائمين في ثبات التاريخ ( ! ) نصنع منها كياناً عامراً بالريادة والشجاعة والتمرد ( ! ) " ( العواد أبعاد وملامح ، ص 256 ) .
ومنهم: فوزية أبو خالد التي تقول عنه:"إن العواد بمواقفه عموماً إحدى الشارات الهامة التي تدلنا على مفترق الطرق الصحيح ( ! ) الذي سيتحتم علينا يوماً ما أن نصنع باتجاهه القرار والمشوار" ( السابق ، ص 265 )
ومنهم: هاشم عبده هاشم وعبد الله الجفري ، وعزيز ضياء ..
تنبيه آخر: العواد أحد المعتقلين عام 1352هـ بتهمة المشاركة في ثورة"ابن رفادة"علي الدولة السعودية: إضافة إلى صاحبه حمزة شحا ته ! ( انظر: محمد حسن عواد .. شاعراً ، لآمنه عقاد ، ص 44 ) ؛ فهما قد جمعا بين الحداثة الفكرية والسياسية !!