فهرس الكتاب

الصفحة 25629 من 27364

أيمن خالد

أوروبا تستأنف الحرب وقدوم الحملة الصليبية الخامسة أيمن خالد تستمر أوروبا في مراقبة العالم الإسلامي طوال الوقت، وعندما تكون الفرصة مواتية للانقضاض عليه مجدداً، لن تتوانى عن ذلك، فالانتصار على الغرب في معركة كبرى مثل حطين، وفتح بيت المقدس، ثم إنهاك الصليبيين وشرذمتهم أثناء الحملة الصليبية الثالثة التي قادها ملوك أوربا، كل ذلك لا يبدو مقنعا للبابوات، للكف عن مهاجمة العالم الإسلامي، فتستمر أعينهم بمراقبته، حتى إذا وجدوا الفرصة قد حانت، انقضوا عليه مجدداً. بالتالي تبقى المعادلة الأولى هي مدى قوة المسلمين وتماسكهم، فعندما تتوحد إرادة المسلمين، فان العدو ينكفئ وعندما تتمزق إرادتهم فسيكون ذلك مدعاة لاستثارة أطماع الغزاة من جديد، في تكرار لتجربة ظلت تعيشها الأمة طوال مئتي عام من عمر الحروب الصليبية. فعندما نتحدث عن أي من الحملات الصليبية، فإننا سنتوقف بالضرورة عند الحالة السياسية العربية، والتي بدورها، تعكس سلباً أو إيجاباً طبيعة النتائج العسكرية على الأرض، فالوحدة السياسية التي تحققت في زمن صلاح الدين الأيوبي، وفعل لأجلها الكثير، سرعان ما ستتمزق بعد موته، ويختلف الأبناء على وراثة الحكم، من بعده، وسيساوم سلطان مصر آنذاك المعروف بالكامل الصليبيين ويمنحهم بيت المقدس سلماً لكي يكونوا حاجزا بينه وبين أبناء أخيه في دمشق، وذلك في أثناء الحملة الصليبية الخامسة والتي كان خط سيرها دمياط. أوروبا والحرب الكنيسة بدورها تحتاج إلى الحرب بين الفينة والأخرى مع العالم الإسلامي، فأوروبا كانت - ولا تزال - تخشى مجاورة العالم الإسلامي مجاورة طبيعية، نظراً لارتهانها إلى زمرة من البابوات كانوا يجدون أن الدين الإسلامي يشكل خطراً عليهم وتهديداً لمصالحهم، نظراً لقدرة الإسلام الذاتية على التمدد السريع ولقابليته للانتشار من خلال رغبة الناس فيه عند الإطلاع عليه، فانتشار الإسلام شرقاً وشمالاً وغرباً في إفريقيا، ظل يقلق الرهبان، فكان لا بد من الاستمرار في رفع الأسوار بين العالم الإسلامي وبين الغرب، بغية بقاء الإسلام بعيداً عن القارة الأوروبية. لا نستطيع أبداً أن نتصور أوروبا في تلك المرحلة بذلك المكر الكبير بحيث أنها ضربت مصر بغاية الضغط عليها وإخراجها من دائرة المواجهة لانتزاع بيت المقدس، وان كانت الأمور جاءت كذلك فيما بعد. فالأوروبيون أدركوا بعد الحملة الثالثة أن التوجه نحو القدس مباشرة هو مكلف للغاية، وذلك بعد أن توحدت إرادة المسلمين في دولة قوية، وبالتالي إن استثارة مشاعر المسلمين ستجعلهم يلتفون حول مشروع جهاد جديد، هو مكلف بكل أبعاده على الغرب. ثم هناك مسألة غاية في الأهمية، فالرهبان في أوروبا لا يستطيعون صناعة جيش جديد وتوجيهه نحو القدس، بحيث يكون قوياً ويحمل أعباء معارك كبيرة طاحنة، ومصيرية في آن، فالقدس هي معركة المسلمين المصيرية، ومسألة الاقتراب منها ليست بالأمر الهين. فهناك حالة من اليأس في الغرب بشأن القدس، حصلت حينما فتح صلاح الدين الأيوبي القدس بعد حصارها الشهير، حينما أخذها سلماً باتفاق وقعه مع الرهبان فيها، وهو ما أدى إلى موت البابا لدى سماعه الخبر، ونص الاتفاق على أن يأخذ الرهبان أموالهم - وهي كثيرة - مقابل تنازلهم عن القدس وللأبد، وهو ما أفقدهم دلالة القدس الدينية في أعين مواطنيهم في القارة الأوروبية، هذه القارة التي دفعت بمئات الألوف إلى الموت بحجة استرداد القبر المقدس المزعوم، لينتهي الأمر في النهاية، بإقرار الصليبيين أن لا حق لهم في القدس، وأنها منذ الآن بيد المسلمين، وأن الكنائس التي فيها هي للمسيحيين الشرقيين، وهو ما جعل عودتهم مجدداً على حمل لواء الدين للمقاتلة من أجل القدس غير ممكن. صحيح أن القدس كانت حاضرة في أذهان الأوروبيين في تلك الحقبة، كما كانت حاضرة في أذهان جميع الإمبراطوريات البائدة، لكنها في تلك الفترة هي مسألة طلب المستحيل وغير الممكن الحصول عليه أبداً. فالحملة الثالثة فشلت فشلاً ذريعاً في احتلالها، وكانت تضم آنذاك ملوك فرنسا وألمانيا وإنجلترا، ثم جاءت الحملة الرابعة لتنهي الإمبراطورية الرومانية وتنصب جسراً برياً مع الشرق الإسلامي، تستطيع دفع جيوشها نحوه، ثم تأتي الحملة الخامسة، وفي برنامجها نقرأ مسألة واحدة، هي الحرب على المسلمين، والاستمرار في رفع الأسوار بين العالمين الإسلامي والأوروبي. أهمية فلسطين السياسية الوعي السياسي في الغرب في تلك الفترة لم يكن ناضجاً بما فيه الكفاية لنقول إن الرهبان اكتشفوا أهمية فلسطين السياسية في المنطقة، فقد برزت أهمية فلسطين من قبل داخل الغرب لأسباب هي خاصة بالغرب ذاته، من الرغبة في دفع الأمراء الجشعين للاقتتال خارج القارة الأوروبية بغية تخفيف أعباء الكوارث التي جلبوها على القارة، ناهيك عن رغبة الرهبان في الهيمنة السياسية على مجريات الأمور داخل القارة، فاخترعوا قصة القبر المقدس وغير ذلك، وأما أن تكون القدس قد برزت لقيمتها الحقيقية في أعين الغرب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت