مجلة البيان - (ج 145 / ص 50)
عبد الناصر الشعراني
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على مَن لا نبي بعده.. وبعد:
فقد خلق الله - سبحانه وتعالى - آدم أبا البشر - عليه السلام - ثم خلق من آدم حواء، ثم جعل في ذريتهما البنين والبنات، وذلك مذكور في القرآن الكريم، في قوله - سبحانه وتعالى: (( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ) [النساء: 1] ، فالنفس الواحدة هي آدم، والزوج هي حواء، أما الرجال فهم الأبناء والأحفاد، والنساء هن البنات والحفيدات.
وقد سار آدم - ومَن بعده - على تقوى من الله، ثم بدأت الفُرقة التي نفث فيها الشيطان - لعنه الله - بعدما كثر الناس، وانتشروا في الأرض، وبدأ التعصب للقبائل في الظهور، حتى أدى إلى الاقتتال بحميَّة الجاهلية، والافتخار بالانتساب إلى المفهوم القبلي الضيق، ولكن الله لم يرضَ عن تلك الجاهلية العمياء التي تجعل الانتماء الفردي للجماعة الصغيرة، أو المجتمع الكبير هو أساس كل شيء، فلا تتعدى ذلك إلى الانتماء الرحب، الذي يتعدى الفرد والجماعة الصغيرة إلى الدولة الكبرى التي تضم الأفراد والجماعات والقبائل؛ ولذلك قال الله - سبحانه وتعالى: (( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ) ) [الحجرات: 13] ، فالتعارف وسيلة من وسائل عمران الدنيا، وأكرم الخلق أتقاهم.
وبدا ذلك جلياً في دولة الإسلام الفتيَّة التي أقامها رسول ا صلى الله عليه وسلم عندما كان يخاطب الأمة كلها، ولم يفرق بين أوس وخزرج ومهاجرين، ويمن وحبشة، بل الكل عباد الله، ولم يترك للشيطان مجالاً أو ثغرة ليجتالهم، وكان خير مثال غضبه من الفتنة التي أُثيرت بين جناحي الأنصار الأطهار (الأوس والخزرج) ، واعتبرها دعوة جاهلية، وكذلك نجد الخطاب القرآني موجهاً إلى الناس جميعاً، وإذا خص المؤمنين خاطبهم جميعاً، ولم يؤلب طائفة ضد أخرى، ولم يرفع قبيلة أو جماعة، ويخفض أخرى، بل هي دعوة نورانية تسعى لتوحيد الناس تحت راية التوحيد، وتعتبر أن التعصب الأعمى - للجنس أو العرق أو غيرهما - جاهلية مقيتة، ودعوة مُنْتنة يجب أن توضع تحت أقدام المؤمنين.
ولقد حفل تاريخنا الإسلامي بصور مدمرة ورهيبة للدعوات الجاهلية، التي أرادت تدمير أمة الإسلام، وقد أطلق عليها كلمة: (الشعوبية) ، التي كانت في بدايتها شعوبية فارسية، ثم تعددت أصولها، وهي نزعة - في العصر العباسي - تنكر فضل العرب، وتحاول الحطّ منهم، فتخفَّت تلك الدعوة الجاهلية خلف العلويين والعباسيين؛ لتقوض حكم العرب الذين هم مادة الإسلام كما قال عمر بن الخطاب ؛ فقد كان وجود العرب المسلمين حاكمين من أكبر العوامل المحافظة على انتشار الإسلام، وانتشار اللغة العربية (لغة القرآن الكريم) ، وإن حدث منهم تعصب فذلك مردود عليهم، ولا يقره الإسلام.
بل لم يجد المسلمون حرجاً - في الماضي - من أن يقولوا:"نحن عرب"، وذلك بمفهوم الاعتزاز بالإسلام، وليس بغرض الانسلاخ منه، كما تدعو القومية العربية والدعوات القطرية الجاهلية.
بل خاطبهم الرسو صلى الله عليه وسلم محذراً إياهم من قرب خروج"يأجوج ومأجوج"، قائلاً:"ويل للعرب من شر قد اقترب".
إن الإسلام عندما أشرق على شعوب الأرض جمع بين أمرين قد يبدوان متناقضين:
الأمر الأول: إذابة كل الأعراق والأجناس والانتماءات في رسالة واحدة، وهي الإسلام.
والأمر الآخر: عدم إلغاء انتماء الأفراد والجماعات للقبائل والأعراق والأجناس واللغات، فهذا عربي وهذا بربري، وهذا كردي...، لهم لغاتهم ولهجاتهم وأصولهم الموروثة، ولكن كل ذلك في إطار الإسلام، ولا فرق بينهم إلا بالتقوى.
وقد استمرت تلك السُّنَّة في الخلافة الإسلامية، حتى بدأ الوهن يدب في الدولة العثمانية - آخر دول الخلافة الإسلامية - فانقضَّت جماعة"الاتحاد والترقِّي"التركية اليهودية على الدولة العثمانية، فقضت عليها، وأعلنت الجاهلية الطورانية التركية، فكانت دعوة لإحياء التعصب الجاهلي للجنس التركي على حساب العرب والأكراد وغيرهم، فكان رد الفعل في الطرف الآخر (العرب) - المدعوم باليهود والأوروبيين - هو إحياء الجاهلية العربية في النصف الآخر من القرن التاسع عشر الميلادي؛ اتباعاً للأوروبيين الذين قد تعصبوا - في الماضي - لجنسهم، ثم أُزيل التعصب ظاهرياً، وصار تعاوناً على الإثم والعدوان، والله - عز وجل - يقول: (( تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى"ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ) ) [الحشر: 14] ."
وفي الوقت نفسه الذي كان العرب ينْقضون عُرى الخلافة الإسلامية عُروة عروة - كان اليهود يواصلون مخططاتهم التي بدأت منذ العودة من السبي البابلي (586 - 538 ق. المجتمع .) ، وسميت الحركة التي تنفذها حركة: (المكابيين) ، وأول أهدافها العودة إلى صهيون، وبناء هيكل سليمان على أنقاض المسجد الأقصى (الأسير) .