فهرس الكتاب

الصفحة 15969 من 27364

وبعد القضاء على الخلافة الإسلامية ظهرت بوضوحٍ الدعوة القومية العربية الجاهلية، وتقابلها الدعوة القومية اليهودية الجاهلية، وإن كانت تلك دعوات، وليست دعوة واحدة لكلتيهما؛ لأن داخل القومية العربية قوميات صغيرة (وطنية أو قُطرية) ، وقد تُختزل تلك الدعوات، حتى نرجع إلى نظام القبائل، الذي صهره الإسلام كما ذكرت سالفاً.

وكذلك نجد تفرق الجماعات اليهودية، وقد ذكر الرسول - عليه الصلاة و السلام - افتراقهم إلى إحدى وسبعين فرقة، وقال الله - تقدست أسماؤه - عنهم: (( تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ) ) [الحشر: 14] ،ولكنني أذكرهما بصفتهما كتلتين خاضتا معارك حامية الوطيس، فخسرت الأولى خسراناً مبيناً، أما الآخرة فانتصرت انتصاراً عظيماً - لضعف الأولى - حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

العنصر الأول: الأسس النظرية لكل قومية.

العنصر الثاني: البرامج والشعارات.

العنصر الثالث: حصاد كل قومية.

أولاً: الأسس النظرية:

قبل الحديث عن هذه الأسس لا بد من تمهيد لُغوي ومصطلحي لمعرفة هاتين القوميتين.

يقول صاحب"القاموس المحيط":"القوم: الجماعة من الرجال والنساء معاً، أو الرجال خاصة، أو تدخله النساء على تبعية، ويؤنَّث، (ج) أقوام، (جج) أقاوم وأقاويم وأقائم، وقام قوماً وقومةً وقياماً وقامةً - انتصب، فهو قائم من قُوَّم وقُيَّم وقُوَّام وقُيَّام،.. والقَوَام - كسَحَاب - العَدْل، وما يُعاش به، وبالضم: داء في قوائم الشاء، وبالكسر: نظام الأمر وعماده .." (1) .

إن القومية هي مصدر صناعي من (قوم) ، وهي:"وعي قومي يمجد أمة معينة، ويضع التوكيد على تعزيز ثقافتها ومصالحها" (2) ؛ فهي دعوة لتمجيد أمة معينة من خلال الاعتزاز بكل ماضيها القائم على الباطل، بل هناك قوميات تحارب غيرها؛ لتعيش على أنقاضه، ولا تكتفي بإبراز هويتها، كاليهود والصرب والهندوس والروس والبوذيين والأوروبيين والأمريكيين، أو باختصار: كل الكفار والمشركين والملحدين والمنافقين.

وكما يقول د. محمد السيد سعيد:"القومية تنتمي إلى طائفة من الظواهر التي تتعلق بعملية تحديد هوية أو انتماء جماعات من الناس؛ فالناس قد يحددون أو تتحدد هويتهم على أساس مجموعة من العوامل والعلامات مثل الدين والعنصر العرقي واللغة والمنطقة الجغرافية والحضارة، أو أي تفرعات من هذه العوامل" (3) ، وإذا فحصنا تلك العوامل، التي ذُكرت سالفاً فسنجد أن تطبيقها - في غياب الإسلام - يعني القضاء على القومية الأخرى المقابلة، وقد ضربت بعض الأمثلة للقوميات المتعصبة فيما سبق؛ ولذلك يخبرنا التاريخ والواقع أن كل دعوة غير الإسلام وبال على المسلمين، وأفضل مثال على غرابة فكرة القومية قول أحد كبار الدارسين لها - وهو فردريك هرتز:"ما الذي منح القومية تلك القوة الكبرى في العصر الحديث ؟!"، ويجيب:"نحن - في الحقيقة - لا نعلم !" (4) ، ولكننا - نحن المسلمين - في الحقيقة نعلم أنهم اليهود!

1 -القومية العربية:

إن القومية العربية هي:"حركة سياسية فكرية متعصبة تدعو إلى تمجيد العرب، وإقامة دولة موحدة لهم على أساس من رابطة الدم والقربى واللغة والتاريخ، وإحلالها محل رابطة الدين، وهي صدى للفكر القومي، الذي سبق أن ظهر في أوروبا" (5) .

وكانت تلك الدعوة الجاهلية الجامحة تدبر وتخطط منذ عام 1847م؛ ولذلك نجد أنها تآمرت من ذلك العام إلى عام 1914م، من خلال خمس عشرة جماعة سرية وعلنية، وكان يقودها الكافرون - وبعض مَن ينتسبون إلى الإسلام - أمثال ميشيل عفلق النصراني الذي أسس حزب البعث العربي الاشتراكي في إبريل (نيسان) عام 1947م في العراق وسورية، وهناك صراع بين جناحيه على حساب البلدين الشقيقين، ومن أكبر دعاة القومية العربية ومنظِّريها ساطع الحصري (1880 - 1968م) ، وهو من أصل سوري.

وقد برزت تلك الدعوة - بشدة - في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الذي استغل بها مشاعر الناس، ثم سقط - وهي معه - سقوطاً مروعاً، وهناك مَن يحاول إحياءها، ولكن هيهات هيهات!

ولم تقم تلك الدعوة إلا على أسس ومبادئ تقوم على محاولة القضاء على الإسلام دون غيره من المِلَل والنِّحَل السابقة، ومن هذه المبادئ:

1 -إعلاء الفكر القومي من شأن رابطة القربى والدم على حساب رابطة الدين.

2 -يرى دعاة الفكر القومي - على اختلاف بينهم في ترتيب مقومات هذا الفكر - أن أهم المقومات التي تقوم عليها القومية العربية هي: اللغة والدم والتاريخ والأرض والآلام والآمال المشتركة.

3 -أن العرب أمة واحدة لها مقومات الأمة، وأنها تعيش على أرض واحدة هي الوطن العربي الواحد الذي يمتد من الخليج إلى المحيط.

4 -كما يرون أن الحدود بين أجزاء هذا الوطن حدود طارئة ينبغي أن تُزال، وينبغي أن تكون للعرب دولة واحدة وحكومة واحدة تقوم على أساس من الفكر القومي اللاديني.

5 -يدعو الفكر القومي إلى تحرير الإنسان العربي من الخرافات والغيبيات والأديان - كما يزعمون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت