محمد إبراهيم مبروك* 17/7/1424
مع تصاعد حدة الصدام بين التحالف الأمريكي الصهيوني والعالم الإسلامي في المرحلة الأخيرة، وقد تصاعدت معها الدعوة إلى الالتزام بالمنهج العقلاني الرشيد في التعامل مع المستجدات الدولية بعيداً عن العواطف وروح الانفعال، وقد خرجت هذه الدعوة بوجه خاص من جانب فريق من كتاب التيار الليبرالي العربي، وفي الوقت الذي يدعي فيه هذا الفريق من قاعدة"وجوب مواجهة العدوان الأمريكي ـ الصهيوني"التي تتفق عليها الأمة؛ إلا أنه برغم أن منهج هذه المواجهة لابد أن يمضي في طريق مخالف تماماً لما تعتقده أغلب القوى الوطنية والإسلامية بوجه عام، حيث لا يقوم هذا المنهج على القتال وبث روح الجهاد على أساس أن كل ذلك جهد يائس لا طائل منه، بل هو يؤدي لا محالة إلى المزيد من الكوارث على الأمة لعدم التكافؤ في القوى العسكرية والتكنولوجية، وإنما يقوم على التقدم العلمي والتكنولوجي والقيام بالتنمية الاقتصادية والسياسية وسيادة وترسيخ قيم الديمقراطية، وإحراز المكاسب السياسية الممكنة، ومن خلال الحوار والتفاوض مع الأعداء، وكذلك الاتهام الدائم للمجاهدين بأنهم يندفعون في المواجهة بروح الثأر والانتقام دون منهج أو رؤية.
ولا يهدف مقالي هذا إلى تفنيد تلك الدعاوى التي لا تثير سوى الاحتقار في نفوس المخلصين من أبناء هذه الأمة وفي مقدمتهم الإسلاميون؛ ولكني أعرض كيف أن مثل هذه الدعاوى ما هي إلا ترديد ساذج لنفس دعاوى عملاء الاستعمار عن امتداد التاريخ الحديث.
وبين يدي الآن سفر حافل بالشواهد العديدة على ما أقول، وهو كتاب الدكتور (محمد البهي) الشهير"الفكر الإسلامي وصلته بالاستعمار الغربي"والدكتور (محمد البهي) أبعد ما يكون عن تهمة التعصب أو التكفير أو التخوين والمعدة سلفاً على ألسن هؤلاء؛ ليتهموا بها كل من يحاول كشف زيف دعاويهم ومفارقتهم لجموع الأمة.
فهو رجل أزهري حاصل على الدكتوراه في الفلسفة من ألمانيا، وترقى في المناصب الحكومية حتى تولى وزارة الأوقاف المصرية في أوائل ستينيات عهد الرئيس جمال عبد الناصر، أي أن الرجل رجل دولة تم تنويره في أوروبا، بل تحديداً في ألمانيا ذروة الفلسفة الغربية، ولم يكن في يوم من الأيام رافداً من روافد التيار الإسلامي الموصوم بالإرهاب من جانب الأمريكيين، واللاعقلانية من جانب العلمانيين العرب.
يتحدث الرجل عن وسائل الاستعمار في توجيه عقل الشعوب المسلمة إلى الوفاق مع مصالحة؛ فيقول عن صورة ذلك:"قيام بعض مفكري المسلمين بحركة تقدمية في الإسلام تبغي تقرير سلطة المستعمر، وتثبيت ولايته على المسلمين من الوجهة الإسلامية، أو بعبارة أخرى؛ تبغي عدم تحديه ومعارضته سواء في مباشرة سلطته على المسلمين، أو في إدخاله ما يسميه بنظم الإصلاح الحديثة بينهم".
ومن أهم النماذج التي يذكرها الدكتور (البهي) في هذا السياق حركة السيد (أحمد خان) ، والحركة"القاديانية"التي أسسها ميرزا غلام أحمد القادياغي في الهند في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فبعد أن أنشأ الأول جريدة باسم"تهذيب الأخلاق"لا ينشر فيها إلا ما يضلل عقول المسلمين، وعمل على شرح آيات القتال مما تضعف من فرضية الجهاد في ذلك الوقت، جاء الثاني ليقرر أن الجهاد ليس هو اللجوء إلى العنف باستخدام أدوات الحرب، وإنما هو وسيلة سلمية للإقناع، أما تأويل الأول لإضعاف تلك الفريضة فكان كالتالي: مادام السلطان في الهند في يد الإنجليز، ولهم من القوة المادية من الأسلحة والذخائر في البر والبحر، ومن القوة العلمية والسياسية ما لا تستطيع الهند مقاومته؛ فالأولى مسالمة الإنجليز، والتفاهم معهم، وأخذ ما نستطيع لخير الشعب منهم.
ويلخص الدكتور (البهي) أهم الأفكار التي يروجها عملاء الاستعمار فيما يخص المواجهة معه بوجه عام؛ فيقول:"إن فكرة إبعاد الإسلام عن مجال العلاقات بين الأفراد من وحي الاستعمار، وفكرة توقيت الجهاد بعهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعهد صحابته، أو فكرة إلغائه؛ فكرة استعمارية".
وفكرة أن الظروف الدولية تدعو المسلم إلى الولاء لغير المسلم، وإلى رضائه بحكومته؛ فكرة استعمارية.
وفكرة أن الإسلام كدين يتعدد بتعدد شعوبه وأجناسه بتعدد مصادره؛ فكرة استعمارية"."
ويستطيع القارئ إدراك مدى التطابق بين هذه الأفكار الاستعمارية التقليدية والتي جاءت دائما على يد مدعي الإصلاح والتنوير والتجديد والإسلامي أحياناً، وبين تلك الدعاوى التي يرددها فريق الليبراليين الجدد الذين يسيطرون على أهم أجهزة الإعلام في الغالب الأعم من الدول الإسلامية؛ بل ويمتد نفوذهم في وسائل الإعلام الأخرى غير الرسمية بامتداد النفوذ السياسي و الاقتصادي الأمريكي.