حديث يتكرر،لأنَّ باعثه يتجدد، فخفافيشُ الظلام بدأت تعملُ وتظهرُ في النهار، والفتوى تجاوزت الأئمة الأعلام ، ليتطاول عليها المذيعون وصبيان الإعلام، والدينُ رقّ ، والالتزام لان، وكل مسألةٍ فيها قولان ، وإن ناقشت مفتياً وعندك دليل مُفحمٌ وأثر قال: هذه وجهة نظر، وحينما غابت الأسودُ نطقت القرود، فالمنافقون في أوقاتِ الأزمات ينبحون، وعلى صفحات الصحف يتقيئون، وشجرتهم لا تنبت إلاَّ حنظلاً من شبهات، وزقوماً من الشهوات، بضاعتهم السُخرية والاستهزاء بالدعاة والعلماء ، والتهكم على الأبطال النجباء من رجال الهيئات، ومبشراتهم بذور السفور والانحلال ، وآخر إنتاجهم بشارةٌ بأول فتاةٍ سعودية تتدربُ على الطيران، تنشر صورتها ويجعل منها رمزاً لفتاة جزيرة الإسلام، فأينكِ يا درةَ عمر من هؤلاءِ الأقزام 0
لم يعد خافياً على أحدٍ ما تشهدهُ مجتمعات المسلمين اليوم، من حملةٍ محمومةٍ من الذين يتبعون الشهوات على حجابِ المرأة وحيائها وقرارها في بيتها ، حيثُ ضاق عطنهم، وأخرجوا مكنونهم، ونفذوا كثيراً من مُخططاتهم في كثيرٍ من مجتمعاتِ المسلمين، وذلك في غفلةٍ وقلةِ إنكارٍ من أهل العلم والصالحين، فأصبح الكثير من هذه المجتمعات يعجُّ بالسفورِ والاختلاط والفساد المستطير، الأمرُ الذي أفسد الأخلاق والأعراض 0
وبقيت بقيةً من بلدان المسلمين لازال فيها بحمد الله يقظة من أهل العلم، والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، حالت بين دعاة السفور وبين كثيرٍ مما يرومون ، وهذه سنة الله عز وجل في الصراع بين الحق والباطل، والمدافعة بين المصلحين والمفسدين 0
ومن كيدِ المفسدين في مثل المجتمعاتِ المحافظة ، وبسببِ وجودِ أهلِ العلم والغيرة، أنَّهم لا يجاهرون بنواياهم الفاسدة، ولكنهم يتسترون وراءَ الدين، ويلبِسون باطلهم بالحقِّ واتباع ما تشابهَ منه ، وهذا شأن أهل الزيغ والضلال، (( فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ ) ) (سورة آل عمران: 7) .
وهم أولُ من يعلم أنَّ فساد أيِّ مجتمعٍ إنما يبدأ بإفسادِ المرأة واختلاطها بالرجال، وقد ثبت عن النبي- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء ) ).
وهذه حقيقةً لا يُماري فيها أحد ، ومللُ الكفر أول من يعرفُ هذه الحقيقة ، حيثُ إنَّهم من باب الفتنةِ بالنساء دخلوا على كثيرٍ من مجتمعات المسلمين، وأفسدوها وحققوا أهدافهم البعيدة ، وتبعهم في ذلك المنهزمون من بني جلدتنا، ممن رضعوا من لبانِ الغرب وأفكاره، أو ممن يسعون إلى الشهرةِ من أوسخ أبوابها ، ولكنهم ولأنهم يعيشون في بيئةٍ مسلمة ، ولازال لأهل العلم والغيرةِ حضورهم، فإنَّهم لا يتجرءون على طرح مطالبهم التغريبية، بشكلٍ صريحٍ لعلمهم بطبيعة تدين الناس ، ورفضهم لطروحاتهم، وخوفهم من الافتضاح بين الناس 0
ولذلك دأبوا على اتباع المتشابهات من الشرع، وإخراج مطالبهم في قوالب إسلامية، وما فتئوا يلبسون الحق بالباطل، وهم كما قال الله: (( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ) ) (سورة البقرة:11) .
ومن هذه الطروحات التي أُجلبوا عليها في الآونةِ الأخيرة، مطالبتهم في مجتمعنا المحافظ، وفي بلدنا الذي يأرزُ إليه الإيمان، وتهوي إليه أفئدة الصالحين، ومنه نبعت الفضيلة ودعاتها، مطالبتهم بكشفِ المرأة وجهها، والسماح لها بقيادة السيارة، معتمدين بزعمهم على أدلةٍ شرعيةٍ، وأقوالٍ لبعضِ العلماءِ في ذلك، وهم يعلمون ونحنُ نعلمُ أنَّ تلك هي الشرارة الأولى والخطوة الأولى نحو فساد المرأة وذهاب حيائها 0
ولئلاَّ يلتبسَ الحق بالباطل، ولكيلا ينخدع بعضُ الناسِ ببريقِ دعوتهم ، وصيانةً لأخلاقِ الأمة، ومساهمةً في تحقيق الأمن الأخلاقي للبلاد، نقفُ مع هذه الدعوة الآثمة وقفات:
أولاها: أنَّ هناك فرقاً في تناول قضية الحجاب وكشف الوجه، بين أن يقعَ اختلافٌ بين العلماء المخلصين في طلب الحق ، المجتهدين في تحري الأدلة ، الدائرين في حالتي الصواب والخطأ، بين مضاعفةِ الأجر مع الشكر، وبين الأجرِ الواحد مع العذر، وبين من يتتبعُ الزلات، ويحكمُ بالتشهي، ويرجحُ بالهوى، لأنَّ وراءَ الأكمةِ ماوراءها، فيؤولُ حالهُ إلى الفسقِ ورقةِ الدين، ونقص العبودية، وضعف الاستسلام لشرع الله عز وجل 0