فهرس الكتاب

الصفحة 2511 من 27364

وهناك فرقٌ بين الفتاوى العلمية المؤصلة، المبنية على التحري والاجتهاد، وأخرى محلولةَ العقال مبنيةً على التجري لا التحري، والتي يصدرها قومٌ لا خلاق لهم من الصحفيين ومن أسموهم المفكرين، وأهل التزوير المسمون ظُلماً بأهل التنوير، يُفرقون من تغطيةِ الوجه، لا لأنَّ البحث العلمي المجرد أوصلهم إلى أنَّهُ مكروهٌ أو جائز، أو بدعة كما يرجفون ، ولكن لأنَّهُ يشمئزُ منه متبوعهم من كفار الشرق والغرب 0

ولك أن تقدرَ شدةَ مكرِ القومِ الذين يريدون من جانبهم أن يتبعوا التمدن الغربي، ثُمَّ يبررون فعلهم هذا بقواعد النظام الإسلامي الاجتماعي 0

لقد أوتيت المرأة من الرخصة في النظامِ الإسلامي، أن تبدي وجهها وكفيها وما دعت إليه الحاجة والضرورة في بعض الأحوال، وأن تخرج من بيتها لحاجتها، ولكن هؤلاءِ يجعلون هذه نقطةُ البدءِ وبداية المسير، ويتمادون إلى أن يخلعوا عن أنفسهم ثوب الحياءِ والاحتشام، فلا يقفُ الأمرُ بإناثهم عند إبداء الوجه والكفين، بل يجاوزهُ إلى تعرية الشعر والذراع والنحر، إلى آخر هذه الهيئاتِ القبيحة المعروفة، وهاهو ذا المودودي- رحمه الله- يصرخُ في وجه هؤلاءِ الأحرار، في سياستهم العبيد، في عقليتهم قائلاً: (( ولا ندري أي القرآن أو الحديث يستخرج منه جواز هذا النمط المبتذل من الحياة ، وإنَّكم يا إخوان التجدد إن شاءَ أحدكم أن يتبع غير سبيل الإسلام، فهلاَّ يجترئُ ويصرح بأنَّه يُريد أن يبغي على الإسلام، ويتفلتُ من شرائعه، وهلاَّ يربأ بنفسهِ عن هذا النفاق الذميم، والخيانةِ الوقحة، التي تُزينُ له أن يتبع علناً ذلك النظام الاجتماعي، وذلك النمط من الحياة الذي يحرمه الاسلام شكلاً وموضوعا ) )0

وثاني الوقفات: لابد أن ينظر إلى قضيةِ الحجاب اليوم، وما يدورُ بينها وبين السفورِ من معاركَ، إلى أنَّها لم تعد قضيةً فرعية، ومسألةً خلافية فيها راجحٌ ومرجوح بين أهل العلم، ولكنها باتت قضية عقدية مصيرية، ترتبط بالإذعانِ والاستسلام لشرع الله عز وجل، في كل صغيرةٍ وكبيرة، وعدم فصلها عن شئون الحياة كلها، لأنَّ ذلك هو مقتضى الرضا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً 0

إنَّ التشنيع على تغطيةِ المرأة وجهها، والتهالكُ على خروجها من بيتها، واختلاطها بالرجال، ليست اليوم مسألةً فقهيةً فرعية، ولكنه مسألةً خطيرةً لها ما بعدها، لأنَّها تقوم عند المنادين بذلك على فصل الدين عن حياة الناس وعلى تغريب المجتمع و كونها الخطوة الأولى، أو كما يحلو لهم أن يعبروا عنها بالطلقة الأولى.

وإذا كان علماؤنا يُوردون مسألةَ المسح على الخفين في كتب العقيدة، باعتباره من خصائص أهل السنة في مقابل شذوذ الرافضة ، فلا لوم على من يجعل قضية الحجاب اليوم قضيةً أصوليةً مصيرية ، وذلك لتشنيع مبتدعةِ زماننا ومنافقيه عليه، ولحملتهم المحمومة لنزعه، وجر المرأة بعد ذلك لما هو أفسدُ وأشنع 0

وثالثها: أن بداية السفور والتبرج الجاهلي، الذي عليه طائفة من نساءِ المسلمين اليوم، في بعض ديار المسلمين ، إنَّما بدأ من كشف الوجه، بإزالة الغطاء والحجاب عنه ، حتى أصبح وبات وأضحى وظل وأمسى من المعلومِ بالضرورة، أن من كشفت من الفتيات وجهها اليوم ستكشف غداً حتماً عن رأسها وصدرها وساقيها وحتى فخذيها ، ولا يجادلُ في هذا إلاَّ ساذجٌ مخدوع0

لقد بدأت مؤامرةُ السفور بالدعوة إلى كشف الوجه ، وامتدت إلى الجلسات المختلطة المحتشمة ، ثم على السفر من غير محرم بدعوى الدراسة في الجامعة ، ثم زينت الوجوه المكشوفة ، وبدأ الثوب ينحسرُ شيئاً فشيئا، حتى وقعت الكارثةُ، فخرجت المرأة سافرةً عن مفاتنها، كاشفةً عن المواضع التي أمرَ الله بسترها ، حتى أضحت شبه عارية، وراح أهل الكيد يتلذذون بالنظر إليها، ويستدرجونها للإيقاع بها، حتى كان لهم ما أرادوه منها، ففسدت الأخلاق ، وكثرت محلات البغاء ، وانتشر اللقطاء، وتفسخ المجتمع، ومن هنا ، وبناءً على هذا، فإنَّ اليد التي تحاولُ أن تحسر الحجاب عن وجوه فتياتنا اليوم ينبغي أن تبتر ، وإنَّ اللسان الذي يدعو فتياتنا إلى نزع الحجاب ينبغي أن يقطع 0

أويسركم يا أهلَ الغيرة والكرامة أن تصبحَ بلادكم مقصداً لرواد البغاء ، وأهل الخنا ، أو أن تصبح نساؤكم مزابل وإماءَ في سوقِ النخاسة، يصحبن كل زان ، ويصادقن كل سافل 0

لابد أن تعلم المرأةُ المسلمة أنَّهم اليوم لا يطلبون منها أكثر من كشف وجهها ، وبحجةِ أنَّ كشف الوجه مختلفٌ فيه بين أهل العلم ، غير أنَّهم يعلمون علم اليقين، ونحن نعلم، وبحكم التجارب الطويلة العديدة أنَّها يوم أن تكشفَ وجهها، ويذهب ماؤه وحياؤه ، ستكشفُ لهم عمَّا سوى ذلك ، وصدق القائل:

رفعُ الحجاب وسيلة إن حُبّذت ضمت إليها للفجور وسائل

فالاختلاط، فمرقص، فتواعدٌ فالاجتماع، فخلوةٌ، فتواصل

ورابع الوقفات: لو أنَّ المنادين اليوم بكشف وجه المرأة أمام غير المحارم، كانوا في مجتمعٍ يعج بالسفور والتعري الفاضح، لأحسنا بهم الظنَّ وقلنا: لعل قصدهم ارتكاب أهون المفسدتين، والتدرجُ بالنساءِ في ردهنَّ إلى الحجاب الشرعي والحياء والحشمة شيئاً فشيئا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت