أما وإنَّ الذين يُنا دون اليوم بنزع الحجاب عن الوجه، إنَّما يوجِّهون نداءَهم إلى مجتمعاتٍ محافظةٍ لم تعرف نساؤهُ إلاَّ الحشمة و الحياء، وتغطية الوجه، والبعد عن الرجال الأجانب، فإنَّ هذا ممَّا يُثير العجب، ويحيرُ العقل، و يضعُ استفهاماتٍ كثيرةٍ على مطالبهم تلك ، فماذا يُريدون من ذلك ، وماذا عليهم لو بقيت نساؤهم وبناتهم وأخواتهم و نساء المسلمين على هذه الحشمة و العفة و الحياء، ماذا يُضيرهم في ذلك ؟ ألا يشكرون الله عز وجل على هذه النعمة العظيمة، ألا يعتبرون بما يرونهُ في المجتمعات المختلطة المتبرجة، حيث ضاعت قوامة الرجل، و ظهر الفساد و هتكت الأعراض، و أصبحت تلك البلدان مقصدُ كلُّ فاجرٍ، وملاذُ كل طالبٍ للرذيلة، إنَّ زماننا اليومَ زمن العجائب، وإلاَّ فعلامَ يشرقُ قومنا بالفضيلة و الطهر والعفاف، ولكن صدق الله: (( وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ) ) (سورة النساء: 27) .
وخامس الوقفات: أنَّ الأدلة الموجبةِ لستر وجه المرأة و كفيها عن الرجال الأجانب، ووجوبُ الابتعادِ عنهم أدلةً كثيرةً وصحيحةً وصريحة، ويمكن الرجوع إليها في فتاوى ورسائل أهل العلم الراسخين. ولكن يحسنُ أن نشير إلى أنَّ علماء الأمة قديماً وحديثاً من أجاز منهم كشف الوجه، و من لم يجزه، كلهم مُتفقون ومُجمعون على وجوبِ ستر وجه المرأة وكفيها إذا وجدت الفتنة، وقامت أسبابها، بل حكي الإجماع على ذلك أكثر من خمسين عالماً، فبربكم أيُّ فتنةٍ هي أشدُّ من فتنة النساء في هذا الزمان، حيثُ بلغت وسائل الفتنة والإغراء بهنَّ مبلغاً لم يشهدهُ تاريخ البشرية من قبل، وحيثُ تفننُ شياطين الأنس في عرضِ المرأة بصورها المثيرةِ في كلِّ شيء، في وسائل الأعلامِ المقروءةِ و المسموعة و المرئية، وأخرجوها من بيتها بوسائل الدعايةِ و المكر والخداع، فمن قال بعد ذلك إنَّ كشف المرأةِ عن وجهها أو شيءٍ من جسدها لا يثيرُ الفتنة، فهو والله مغالطٌ مكابر، لا يوافقهُ في ذلك من له مسكةً من دينٍ أو عقلٍ أو مروءة .
وإذا تبين ذلك فلنعلم أيضاً أنَّ هذا القدر من الخلاف بين العلماء بقي خلافاً نظرياً إلى حدٍ بعيد، حيثُ ظلَّ احتجاب النساءِ هو الأصلُ في الهيئةِ الاجتماعيةِ، خلال مراحلِ التاريخ الإسلامي، كما قال شيخ الإسلام ( كانت سنة المؤمنين في زمن النبي- صلى الله عليه وسلم - أنَّ الحرة تحتجب)
و قال الإمام الغزالي: (( لم يزل الرجال على مرِّ الزمان مكشوفين الوجوه، و النساء يخرجنَ متنقبات ) ).
إنَّ كثرةَ الكلام عن هذه القضية ، وعلى أصعدةٍ متعددة ، بل إنَّ وسائل الإعلام تحاولُ ترسيخ هذا المفهوم من خلال الدعايات الإعلانية، حينما تصورُ الرجل حالقاً لحيتهِ والمرأة كاشفة وجهها، ومن خلالِ نشر صورِ النساء في الصحف، حتى بلغت في صحيفةٍ واحدة، في عددٍ واحد أكثر من ثلاثين صورة ، ومن خلال الكتابات التي يتقيؤها غلمان الأهواء، وصبيان الصحافة .
إنَّ ذلك لأمرٌ يثير الريبة، فلم يحدث في تأريخ الأمة أن اجتمع العلماء المجيزون لكشف الوجه، ليخرجوا على الأمة مجتمعين، يدعون النساء إلى إزالةِ غطاء الوجه، بدعوى أنَّ المسألة خلافية 0
كانوا يذكرون ذلك في كتبهم من باب التفقيه فحسب ، أمَّا أن يرتقوا المنابر، ويتصدروا المجالس والمنتديات ليقرروا ما ترجح لديهم، بإصرارٍ وإلحاحٍ لا ينقطع ، ليحملوا نساءَ الأمةِ على كشف الوجه ، فذلك لم يفعلوه، ولم يحصل في تأريخ الأمة، مع أنَّهم هم الأحق بذلك إن كان في ذلك خير ، فهم مجتهدون ينطلقون من الشرع، ومقصدهم نصرته 0
أما ما يفعلهُ هؤلاء المستغربون من الدعوةِ بإلحاح، وعلى كافةِ المستويات مع التلفيقِ والتلاعبِ بأقوال العلماء، فليس لهَ إلاَّ تفسيرٌ واحد، هو أنَّهم كرهوا ما أنزل الله فسحقاً لهم ، وأولى لهم طاعة وقول معروف، ولو صدقوا الله لكان خيراً لهم 0
إنَّ المتأمل في حال المتبعين للشهوات اليوم ليأخذه العجبُ و الحيرةُ من أمرهم ، فمالهم و للمرأة المسلمة التي تقرُّ في منزلها، توفرُ السكن لزوجها وترعى أولادها ، ماذا عليهم لو تركوها في هذا الحصن الحصين، تُؤدي دورها الذي يُناسبُ أنوثتها وطبيعتها ، ماذا يُريدون من عملهم هذا ، ثم ماذا عليهم لو تركوا أولاد المسلمين يتربون على الخير والدين، و الخصال الكريمة ، ماذا يريدون من إفسادهم وتسليط برامج الإفساد المختلفة عليهم، هل يُريدون جيلاً منحلاً، يكونُ وبالاً على مجتمعه، ذليلاً لأعدائه، عبداً لشهواته، إن هذه هي النتيجة، وإن من يسعى لهذه النتيجة التي تتجهُ إليها الأسر المسلمة اليوم لهو من أشدِّ الناس خيانةً لمجتمعة و أمته وتاريخه، وإنَّ من عندهُ أدنى مروءةٍ ونخوةٍ فضلاً عن الدين و الأيمان، لا يسمح لنفسه أن يكون من هؤلاءِ الظالمين المفسدين.
يا أهل الشرفِ والحياءِ و المروءة، كونوا يقظين لما يطرحهُ الظالمون لأنفسهم و أمتهم، من كتاباتٍ وحوارات، مؤداها إلى سفورِ المرأة و اختلاطها بالرجال، فما دامت المدافعةُ بين المصلحين و المفسدين، فإنَّ الله عز وجل يقذفُ بالحق على الباطل فإذا هو زاهق.