ياسر سعد
هل ثمة علاقة بين التصعيد الكبير في مواقف بعض الأقباط فيما يتعلق بقضية السيدة وفاء التي أشهرت إسلامها؛ وتطورات ما بعد احتلال العراق.
الإجابة ببساطة ويسر: نعم.
فتداعيات ما بعد أحداث سبتمبر ومن ثم الحرب على العراق أفرزت واقعاً جديداً أعاد تعريف مفهوم السيادة، ومسألة الشؤون الداخلية، والقيم التي تحكم المنطقة، ساعد في ذلك الوضع السياسي المحتقن، والاقتصادي المتردي، والاجتماعي الصعب؛ والذي لا تستطيع كثير من الأنظمة العربية من خلال معطياته مواجهة الضغوط الخارجية؛ خصوصاً في مرحلة القطب الواحد.
مسألة عزام عزام والدفء المفاجئ في العلاقات المصرية - الإسرائيلية، وتوقيع اتفاقية الكويز التجارية، والنشاط الدبلوماسي باتجاه تنشيط مسار المفاوضات الإسرائيلية- الفلسطينية، والهرولة السورية باتجاه إسرائيل عبر بوابة القاهرة؛ تظهر جلياً أن الوضع العربي الرسمي في كثير من جوانبه قد سلم بأن التعاطي مع الواقع الجديد والذي فرضته أجندة المحافظين الجدد في البيت الأبيض يكون بالتجاوب معه؛ والاستجابة لمتطلباته.
الديمقراطية, حقوق الإنسان, الحريات والأقليات، والديون والقروض؛ أوراق متيسرة في السياسة الأمريكية للضغط على الدول العربية متى لزم الأمر، يعزز ذلك ضعف إن لم نقل انهيار المناعة السياسية في الجسم السياسي العربي الرسمي، لم يكن مستغرباً أن تلجأ الجمعية القبطية بقيادة موريس صادق إلى مناشدة شارون مساعدة الأقباط في مصر وحمايتهم، وإلى الطلب من أمريكا التدخل، بل إن بعض التجمعات القبطية في المهجر دعت إلى وقف المساعدات الأمريكية لمصر، واستخدمت في دعواتها تلك ألفاظ شديدة القسوة، كما طالبت جمعية صادق بمنح الأقباط حكماً ذاتياً، وجاء في بيانها: أن هذا التطور جاء ثمرة تغيرات أساسية في ميزان القوي في الشرق الأوسط، واعتراف النظام العالمي الجديد بالحقوق التاريخية والقانونية للأقباط.
مقارنة سريعة بين موقف الكنيسة القبطية من قضية السيدة وفاء قسطنطين؛ ومن موضوع قصة الراهب المفصول من الكنيسة والذي نشرت قصته صحيفة النبأ المصرية مثيرة ضجة كبرى حينها؛ توضح المعنى الذي ذهب إليه بيان الجمعية فيما يتعلق بمسألة ميزان القوى، وقتها نقلت وكالة أنباء الشرق الأوسط عن الأنبا يوأنس المتحدث باسم البابا قوله: إن البابا شنودة ذكر في لقائه مع الأقباط صباح أمس أنه (لا مبرر للتعامل مع الموقف الآن بشكل انفعالي خاصة أن الدولة اتخذت على الفور إجراءات ايجابية لتهدئة الأوضاع، وضمان تحقيق السلام الاجتماعي، والحفاظ على الوحدة الوطنية) .
وقالت الوكالة: إن عدداً كبيراً من الأقباط تجمع صباح أمس أمام الكاتدرائية، أما الآن فقد ذكر الأنبا بيشوي في تصريحات لصحيفة"العربي"اليوم الأحد أسباب غضب البابا شنودة؛ وتوجهه إلى دير الأنبا بيشوي في مدينة وادي النطرون على طريق القاهرة الإسكندرية الصحراوي، ولخصها في تأخير أجهزة الأمن المصرية تسليم زوجة القس السيدة وفاء قسطنطين إلى الكنيسة يوم الأربعاء 8-12-2004 مدة ساعتين تقريباً؛ مما اعتبره البابا تلاعباً بالكنيسة.
في الوقت الذي يجب فيه إزالة الظلم الفعلي على كل المواطنين في بلادنا العربية وبشكل مساوي, فالمواطن بشكل عام - وبغض النظر عن انتمائه - محروم من ممارسة حقه في التعبير والتغيير، والمساهمة السياسية في غالبية البلاد العربية، غير أن الاستفادة من الظروف والمتغيرات الخارجية لتحقيق مكاسب داخلية آنية سيكون له أثر سلبي على المدى البعيد مما يهدد الأمن والسلم الاجتماعي؛ والذي عاشت فيه مكونات المجتمع العربي بسلام ووئام وتفاهم لقرون طويلة.
النظام المصري لم يستطيع مقاومة الضغوط في مسألة السيدة قسطنطين، وقام بتسليمها رغم إعلانها الواضح أنها أسلمت بمحض إرادتها للكنيسة القبطية في خطوة أثارت غضب قطاع كبير من المصريين، عبر عنه بيان المثقفين المصريين، فمصر التي تحاول ترتيب أوراقها في مسألة خلافة الرئيس تبدوا مستعدة وبشكل جلي للتجاوب مع متطلبات المرحلة أمريكياً، وعلى كافة الأصعدة من مسألة عزام عزام، إلى ما يستجد من أحداث ومتغيرات.
المصدر: http://www.islamselect.com