فهرس الكتاب

الصفحة 7903 من 27364

موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 4918)

حمود بن غزاي الحربي

الرس

جامع عبد الله بن عمر

الخطبة الأولى

عباد الله، عند اشتداد المحن وتفاقم الأزمات يذكر العبد أنَّ له ربًا يسمع الشكوى ويرفع البلوى، يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، كما قال تعالى: أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ [النمل:62] .

وعند اشتداد المحن ونزول النوازل بالأمة يجدُ العبدُ المسلم أسبابها وآثارها والمخرج منها في كتاب الله الذي سماه بصائر، فقال في سورة الجاثية: هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمِ يُوقِنُونَ [الجاثية:20] , أي: معالم يتبصرونها.

إن أهل القرآن يجدون ما يقع الآن في فلسطين ولبنان أو وقع في العراق وأفغانستان في كتاب الله الذي أنزله على قلب رسوله وخليله محمد قبل أربعة عشر قرنا، فأعداء الله ورسوله بالأمس هم أعداءُ اليوم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

عباد الله، دماؤنا وأشلاؤنا وأسرانا وقتلانا واستباحة الأوطان والأموال والأعراض مشاهد ألفناها منذ عشرات السنين، ورأيناها منذ غابر الزمن في فلسطين وأفغانستان وفي الشيشان وكوسوفا وفي البوسنة والعراق وفي لبنان وغيرها، منذ متى ودولة يهود تفعل أكثر مما تفعله في لبنان وفلسطين اليوم؟! وينتهي المشهد على مظاهرات ومسيرات، صراخ وعويل وشجب واستنكار، ثم ماذا؟ كامب ديفيد، معاهدات سلام، أوسلو الأولى والثانية، شرق أوسط كبير، ثم شرق أوسط جديد، وهكذا يبدأ المشهد داميًا ثم يسدل الستار على ابتسامات ومصافحات ومعاهدات مليئة بالذلّ والخنوع، وهكذا عاشت أمّة الإسلام في سراديب الظلام طيلة فترة الصراع، وفي أنفاق التيه إلى اليوم، وستبقى حتى تعود إلى ربها وخالقها وتقرأ معالم الطريق من القرآن الكريم وتستبين سبيل المجرمين كما أمرها الله تعالى: لِيَمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [الأنفال:37] .

عباد الله، لستم بحاجة إلى سماع أعداد القتلى والجرحى في فلسطين ولبنان، فالكل يسمع ويرى، ولن نتحول إلى محللين سياسيين من على منبر الجمعة، فلكل مقام مقال كما يقال، لكننا نودّ أن نقف وقفات قرآنية ونبوية مع هذا الحدث الذي يدرك الرجل الحصيف أنّ له ما بعده على المنطقة بأسرها. وفي القرآن خبر من قبلنا ونبأ من بعدنا وحكمُ ما بيننا، لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ورسول الله تركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلاّ هالك.

الوقفة الأولى: يقول تعالى: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران:165] ، وقال تعالى: وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ [الشورى:30] ، ويقول تعالى: إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ [الرعد:11] ، ويقول تعالى: وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا [الإسراء:16] . ويقول رسولنا الكريم الذي لا ينطق عن الهوى في الحديث الذي أخرجه أصحاب السنن ورواه ابن عمر رضي الله عنهما: (( إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم بأذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلّط الله عليكم ذُلاًّ لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم ) ).

في كل حدث وكل نازلة وكل مصيبة يتحدث الناس عن الأسباب، سواء كانت حربًا أو غرقًا أو زلزالاً، ويقولون كل شيء إلاّ شيئًا وحدًا، ويعرجون على كل سبب إلاّ سببًا واحدًا، هو الذنوب والمعاصي التي غرقت بها الأمة اليوم إلاّ من شاء الله، والإقصاء لهذا السبب إقصاءٌ للعلاج أيضًا. لمَا خالف الرماة أمر رسول الله في أحد كانت المصيبة التي أصابت جيش المسلمين، فتساءل الناس: أنَّى هذا؟! فجاء الرد قاسيا: قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ. فكيف بنا نحن اليوم؟! كيف بالعالم الإسلامي الغارق في شهواته وملذاته؟! أليس من العار والشنار على الأمة الإسلامية أن تمزق أشلاؤها وتسبى أعراضها وتهدم مدنها وقراها ويقتل رجالها في فلسطين وفي لبنان وفي العراق وغيرها وعلى بعد مئات الكيلومترات تشارك ثلاث عشرة دولة عربية بمسابقة ملكة جمال العرب لاختيار أجمل فتاة عربية، ويتخلل المسابقة حفل فني ساهر يحييه مطربون ومطربات من لبنان والمغرب وليبيا وغيرها؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت