فهرس الكتاب

الصفحة 25790 من 27364

د. أحمد بن عمير العمير 22/4/1424

أتت نازلة"الحادي عشر من سبتمبر"وجلبت معها العديد من التداعيات والمتغيرات ، مما سيشكل باتفاق العديد من مراقبي الجانبين مرحلة جديدة من العلاقة بين المسلمين والغرب.

وأعجب ما فيها أنها وخلال أيام أو ساعات أعادت العالم إلى مربعات سابقة جداً في تاريخ هذه العلاقة، في وقت ظن الغرب - مع نشوة عولمة المصالح والقيم الغربية - أنه لن يعود إليها أبداً .

فتبارك المدبّر لعباده كيف يشاء ، والقائل في كتابه العزيز"والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون".

ورغم أنها تأتي في ظل أوضاع وأحوال للعالم الإسلامي لم يسبق له أن مر بها من قبل - والله أعلم - مما يزيد من صعوبة هذه النازلة واختلاط الأمر فيها ، لكننا مع ذلك نأمل أن تكون عاقبتها خيراً للإسلام والمسلمين .

ومع كثرة الطروحات والآراء الواردة في هذه النازلة ، إلا أنني أود المشاركة بالنقاط التالية:

مسوغات الحدث بين النفي والإثبات

اختزل الغرب بمراكزه ودهاقنته الحدث على ضخامته ، في قضية واحدة مجردة هي افتقاده -كما يرون- لأي مسوغ واقعي أو قانوني وأنه يناقض كل الأعراف والأديان ، بل والقيم الإنسانية المشتركة بين الشعوب ، وعلى هذا فهو عمل إرهابي بكل المقاييس وتجب محاربته . ولو سلمنا جدلاً بذلك فلماذا يحشد العالم كله في تحالف عالمي لمعاقبة هذا العمل"الإرهابي"وهو موجه ضد دولة محددة بعينها وعلى أرضها، وبهذا الاعتبار ليس هو الأول ولن يكون الأخير ولم يسبق أن حشد لأمثاله مثل هذا التحالف ولا بعضاً منه، وحجمه الكبير ووقوعه في دولة عظمى لا يبرر هذا الحشد في"الأعراف الدولية"لولا أن وراء الأكمة ما وراءها .

ثم ناقض الغرب نفسه وانساق العالم وراءه دون تفكير ، إذ أعلن الرئيس الأمريكي أن الحدث يمثل عملاً حربياً وإعلان حرب ، ونحن ندرك أن هذا التصريح يخدم قضيتهم المحلية والعالمية ، إلا أنه ببساطة ينفي مباشرة الإرهاب عن هذا الفعل ، ففرق بين الإرهاب والحرب فهو لا بد أن يكون أحدهما ، ولا يعقل أن يكون كلاهما في الوقت نفسه ، لكن الحيلة انطلت.

ولو كان إعلان حرب فلماذا هذه الهجمة الشرسة على الإسلام والمسلمين ، ومنذ متى في قوانينهم التي يحرصون على نشرها يحمل الدين الذي ينتمي إليه أحد أطراف الحروب المعاصرة دوراً ومسؤولية في الحرب ، إلا إن كانوا يعيشون إسقاطات وأجواء معينة - كما سيأتي - إضطرتهم للعودة إلى القوانين والمربعات السابقة ( كما ذكرنا) ، وسربوا ذلك قصداً أو عفواً في تصريحاتهم .

ثم ناقضوا أنفسهم أكثر وأكثر حين قالوا أنه إعلان حرب على القيم الغربية وطريقتهم في الحياة، بل وأحيوا قوانين الدفاع المشترك في الحلف الأطلسي وتناسوا الخلافات مع روسيا وجمهورياتها في أوروبا الشرقية التي تشاركهم إلى حد ما في ذات القيم ، لكنهم بعد ذلك مارسوا ضغطاً دولياً ضخماً لإقحام العالم الإسلامي في هذه الحرب ضد المجموعة المحدودة"والمعزولة"التي تجرأت وأعلنت الحرب على القيم الغربية بالهجوم على رائدة هذه القيم وزعيمتها ، والتناقض والعجب يكمن في مطالبة العالم الإسلامي بالتحالف مع حرب للدفاع عن قيم غربية تخالف قيمه جملة وتفصيلاً ، والأمرُّ أن تكون الجهة المعلن ضدها الحرب ترى أنها تدافع عن قضايا المسلمين، مما يعرض العالم الإسلامي لحرج كبير ويهدده باهتزازت أمنية ومزيد من الانقسامات، ويكفينا التأمل في وضع باكستان المتأزم الذي لا تحسد عليه ولا يعلم إلا الله احتمالات التطورات فيه.

لكن العالم الإسلامي وفي حالة الضعف والانقسام التي يعيشها ، وبتعقيد العلاقات الدولية القائمة اليوم ، سار وبكثير من التلقائية إلى هذا الشرك الذي نصب له ، ربما للانبهار الذي أصاب الجميع من هول الحدث .

من جانب آخر - ومما زاد القضية تعقيداً - تجد أنه في الوقت الذي ينفي فيه الغرب وعلى رأسه أمريكا وبريطانيا أي مسوغ مقبول لهذا الفعل ، ظهرت شخصيات رئيسية في التنظيم المتهم بتدبير هذا الحدث والتخطيط له والتمويل ، بعد بداية الحرب على أفغانستان ليعلنوا أنهم أصحاب قضية وأن لهم عداوة مع أمريكا وغيرها من الدول الغربية ومع اليهود وأنهم بالفعل يعلنون الحرب عليهم وأنهم يباركون"الكوكبة"التي نفذت ذلك"الهجوم الانتحاري"دون أن يعترفوا بالمسؤولية عنه مباشرة، ليثبتوا بذلك - في ظنهم - المسوغات لهذا الفعل ويربطوها بتاريخ العلاقة المرير بين المسلمين والغرب وأنهم إنما ينتقموا بذلك من مظالم هذه الدولة تحديداً عليهم وعلى إخوانهم المسلمين في كل مكان .

وبعيداً عن مصداقية هذا الطرف أو ذاك ، أرى من الأهمية التركيز على النقاط التالية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت