يحيى اليحياوي *
لنخب العولمة نواديها ومحمياتها ومجالها الخاص بها يلتقي المنتمون إليها بجنباتها لمناقشة أمر أو تدبير شأن أو للتسامر العفوي دونما حرج أو تعكير صفو.
هم يتجاذبون إليها من كل ذي صوب وحدب، من عالم الأعمال والمال والاقتصاد، من عالم السياسة والاستراتيجيا والحرب، من عالم الإعلام والإعلان والإشهار كما من عالم الكتابة والفكر والشعر لا فيصل بينهم في الوظيفة يذكر ما داموا مجتمعين على خلفية من وفاق تام حول النظرة إلى قضايا الكون في حاضره كما في المستقبل.
والمقصود بنخب العولمة هنا لا يحيل فقط على الشركات العالمية الكبرى ذوات السلطات الواسعة في تحديد حال اقتصاد العالم ومآله (تحتكم بعضها على أرقام معاملات يتجاوز النواتج القومية الخام للعديد من الدول) ولا على الدول الكبرى التي تقوم (وإن بطرق غير مباشرة على الشركات إياها) بل وأيضا وبالأساس على مجموعات الفكر والبحث والتنظير التي تقوم على إنتاج الرمز (نظريات وطروحات وتصورات) وتعمل على ترويجها لتغدو بسلطة العنف أو بوسائط السلطة الناعمة"عقيدة الكون"تمثلا وسلوكا ونظم حكم.
والمقصود بالنوادي إنما تلك"الفضاءات المغلقة"ذات الأبواب الموصدة التي يعمل خلفها باحثون وخبراء من جنسيات وأطياف علمية مختلفة يجتمعون بدورات (أو عندما يتطلب الأمر ذلك) لتوصيف مكامن الخلل بالكون وصياغة الوصفة التي من شأنها وفق تصورهم، علاج ذات المكامن أو التخفيف من أعبائها.
لا يقتصر الأمر هنا على مراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية التي أقامتها هذه الشركة الكبرى أو تلك، هذه الدولة الكبرى أو تلك بغرض استقطاب"أوكار الفكر"من هذا المجال أو ذاك، بل ويتعداه إلى النوادي العالمية التي تستوظف الشبكات في تواصلها وتبادل الأفكار فيما بين منضويها أو تقيم لهم الملتقيات الدورية بغرض اللقاء المباشر وحسم ما قد يعلق من أمور ومن قضايا.
هي نواد غير رسمية لا يستطيع المرء تحديد سلطها بدقة ليس فقط كونها تتجاوز الدول القطرية والحدود الوطنية، ولكن أيضا لأنها تحيل على فضاء غير محدد المعالم حتى وإن تسنى للمرء تعيين بعض من عناصره وأعضائه:
* فأعضاؤها غير معروفين (حتى وإن عرف بعضهم) . وهم لا يمثلون جماهيرا ولا هم منتدبون من لدن دولة قائمة السيادة ولا تم انتخابهم من لدن هذه الجهة أو تلك للتعبير عن صوتها أو التفكير في حل مشاكلها الآنية والمستقبلية.
*والمنخرطين فيها لا رقابة عليهم تذكر فيما يتراءى لهم مناطق ومجالات للبحث والتفكير إذ بإمكانهم الانتقال دونما حرج من الاقتصادي والسياسي إلى الاجتماعي والثقافي، ومن الذاتي الخاص إلى العام الشامل، ومن الاقتصاد السياسي للمناطق والجماعات الضيقة إلى اقتصاد العولمة بفروعه المختلفة وتشعباته.
*والمنضوون تحت لواء ذوات النوادي لا يعمدون إلى الشفافية والوضوح في إبلاغ آرائهم وتصريف مقترحاتهم (حتى وإن تجرأ بعضهم على نشر ما يعتقد) ، بل تراهم يلجأون بغرض التأثير على الأقل، إلى استعمال قنوات غير رسمية، غامضة وملتوية يتعذر معها على المرء العادي معرفة قوتهم الحقيقية وعلى المختص تقييم درجة ذات القوة في صناعة القرار أو التأثير على الذين يحررون صيغته النهائية مضمونا وشكلا.
إنها بالتالي، وبمحصلة أولية على الأقل، نخب ونواد تجتمع وتشتغل خارج إطار السلط المؤسسة التي من المفروض أنها مفوضة للتقرير في حاضر الكون ومستقبله، وتجتمع وتشتغل دونما تفويض شعبي لديها وتجتمع وتشتغل دونما رقابة ديموقراطية مباشرة على أعمالها.
إنها صورة طبق الأصل لسياق وحركية العولمة التي لا قدرة للمرء في ظلها على الإبداء برأيه بشأن قراراتها أو صيرورتها في الزمن أو في المكان.
ليس بمقدور المرء (ولا بمستطاع غيره من مستويات) تحديد عدد هذه المنتديات ولا تعيين أماكن انعقادها ولا حصر حجم أعضائها أو المنتسبين إليها، إذ هي بردهات الدول الكبرى وضمن هياكل الشركات العابرة للقارات ومن بنيان الجامعات ومراكز البحوث والدراسات وما سوى ذلك.
لكنها، وإن توزعت نقط تواجدها وتفرعت ضروب اشتغالها، فإنها تلتقي انتظاما ودورية بمحافل سنوية كبرى لعل أكبرها وأكثرها موسطة إعلامية ملتقى دافوس السنوي.
والواقع أنه لأكثر من ثلاثين سنة مضت يستقطب منتجع دافوس السويسري أهم صناع السياسة والمال والأعمال والفكر من مختلف بقاع الكون في إطار الاجتماع السنوي لما أضحى"المنتدى الاقتصادي العالمي".
هم يعبرون عن"روح دافوس"حيث يتوحدن"الزمن العالمي"كل يناير من كل سنة ويتقلص المكان...حيث لا أثر لأماكن التسلية المتاحة في مؤتمرات أخرى اللهم إلا سبل التزلج المحصورة المدة والمجال.