فهرس الكتاب

الصفحة 9877 من 27364

أ. د أكرم ضياء العمري

إن موضوع الاستشراق ليس من الموضوعات التي تُطرق للمرة الأولى، وإنما طرق في العقدين الأخيرين على وجه الخصوص مراراً في مؤلفات، وكتب، ومحاضرات، ومقالات صحفية، وتحقيقات في المجلات والدوريات، ولكن النظرة إلى الاستشراق كانت تتغير باستمرار حتى انتهت إلى الصورة التي يمكن أن تعتبر واضحة في أذهان الأجيال.

فعندما كنا نطلب العلم في المرحلة الجامعية في مطلع الخمسينيات كنا نستمع إلى آراء تتصل بالعقيدة، أو الشريعة، أو التاريخ، أو التفسير، أو الثقافة الإسلامية، وكانت هذه الآراء تطرح بلسان عربي من قِبل أساتذة ينتمون إلى أمتنا، ويتكلمون بلساننا، وكنا نظن أن الأقوال هي اجتهاداتهم في هذه الموضوعات المختلفة، لكن بعضهم كان أحياناً يعزو، فإذا ما عزا القول لصاحبه عرفنا أنه يتبنى رأياً لأحد الدارسين الذين كانوا يسمون دارسين غربيين، لكن معظم الآراء ما كانت تُعزى - وهذا أخطر بالطبع - لأن الأستاذ يتكلم وكأنه يجتهد في فهم النصوص فيوجهها في حين أنه يكون قد درس كتاباً باللغة الألمانية أو الفرنسية أو الانكليزية وهو يحاضرنا من خلال ذلك الكتاب.

ومع مرور الأيام بدأت صورة الاستشراق تتضح، وأبعاده تستبين، ولكن بعض الدارسين يرى أن ذلك لم يتم أو لم يصبح واضحاً في أذهان المثقفين من أبناء أمتنا إلا قبل عقدين من الزمان فقط، ليس معنى ذلك أن اسم الاستشراق ما كان يظهر على ألسنة الناس، وما كانت بعض أقوال المستشرقين المتداولة في الأوساط الجامعية وغيرها لتعرف بأنها أفكار وآراء استشراقية، ولكن معرفة أن الاستشراق ليس مشروعاً فردياً وإنما هو مؤسسة متضامنة متعاونة على اختلاف البلدان التي ينتسب إليها المستشرقون، وعلى اختلاف اللغات التي ينطقها المستشرقون، على اختلاف سياسات الدول التي ينتمون إليها تبقى المؤسسة من وراء ذلك تتسم بصفات ثابتة في التعامل مع التراث الإسلامي.

منذ مئة وخمسين سنة وحتى الوقت الحاضر يصدر في أوروبا بلغاتها المختلفة كتاب كل يوم عن الإسلام، هذه الإحصائية التي ننتهي إليها عندما نعرف أن ستين ألف كتاب قد صدرت بين 1800 - 1950 م أي عبر قرن ونصف، وعندما نعرف أن في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها يوجد حوالي خمسين مركزاً مختصاً بالعالم الإسلامي، وأن المستشرقين يصدرون الآن ثلاثمائة مجلة متنوعة بمختلف اللغات كما قرر ذلك بوزورث في (تراث الإسلام) ، وأن المستشرقين عقدوا مؤتمرات دورية خلال قرن واحد - هو المئة سنة الأخيرة - ثلاثين مؤتمراً، هذا سوى المؤتمرات الإقليمية، وسوى الندوات، وبعض هذه المؤتمرات مثل مؤتمر أوكسفورد ضم قرابة تسعمائة عالم، فلماذا كل هذا الاهتمام بالإسلام، وبالشرق، وبالعَربِ، وبالقضايا التي تتصل بمنطقة بعيدة عنهم؟

طبعاً هناك بدايات لاستشعار الغرب لقوته العسكرية والسياسية بعد أن استقرت فيه معالم نهضته الفكرية والحضارية عبر القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر، ثم بدأ في اكتساح العالم خلال القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، وكان هذا يقتضي أمرين:

أن يُهيأ الرأي العام الغربي لمثل هذا العمل، لأن الاقتحام العسكري، والاختراق الثقافي والسياسي والاقتصادي سيكلف الغرب الكثير، وينبغي أن يضحي من أجل ذلك بقوى عسكرية، وبإمكانات اقتصادية، وبتسخير قدرة الأجهزة العلمية - إلى حين - لهذه المشكلة المثارة، فالمستشرقون هم الذين صوروا الشرق أمام الغرب، هم الذين قالوا: من هم المسلمون؟ ما هي خصائصهم العقلية، ما هي ثقافتهم، ما هي أعرافهم وتقاليدهم، إلى أي شيء يدفعهم الإسلام، وكم يؤثر فيهم، في الوقت الذي توضع فيه الخطط العسكرية والاقتصادية.

هذا الأمر - تصوير الشرقيين أمام الغربيين - كان هدفاً من الأهداف الكبيرة لحركة الاستشراق، إذ كان المطلوب إعطاء صورة معينة تمكن من الغزو العسكري، والاقتصادي، والثقافي، وهكذا بدأت الدراسات التي اتسمت بطابع عرقي في بدايات القرن التاسع عشر الميلادي، والتي أدت أولاً إلى تقسيم البشر إلى ساميين وآريين وحاميين، وأن هؤلاء البشر يتمايزون تمايزاً عرقياً، وأن خصائصهم العقلية والجنسية تتباين، فالساميون لا يمتلكون القدرة على التفكير البعيد في المستقبل، وهم أيضاً لا يمتلكون القدرة الكافية على التنظير العقلي والربط بين الجزئيات، وهذا ما سماه المستشرق جب Gib - وهو يعتبر معاصراً لأنه إلى سنة 1965 م كان يدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة هارفارد - عقلية ذرية، تتسم بتجزئة الأشياء، وعدم القدرة على تجميعها وتركيبها والنظر إليها بصورة شاملة.

إن الدراسات ذات الطابع العرقي قام بها أولاً أرنست رينان، حيث كتب عدة مؤلفات عن أصول الساميين، وعن فقه اللغات السامية، وفقه اللغات كان يتجه نحو تكريس الفرق بين الساميين والآريين، أو بين الشرق والغرب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت