فهرس الكتاب

الصفحة 9878 من 27364

ويعتبر العرب والمسلمون هم المركز الذي تدور حوله دراسات الاستشراق أكثر من بقية الأمم والشعوب، والدراسات التي تناولت الإسلام والمسلمين تختلف عن تلك الدراسات لبقية أرجاء الشرق، ولعل هذا لافت للنظر، لماذا تتسم الدراسات المتعلقة بالإسلام والمسلمين بالتحيز والتعصب والغضب؟ ولماذا لا تتسم بذلك الدراسات عن البوذية مثلاً، أو الهندوسية، أو الثقافات الأخرى أو الحضارات الأخرى كالصين مثلاً؟ ولماذا عندما تختص القضية بجانب إسلامي، أو بجانب يتصل بمجتمعات إسلامية عندئذ تظهر جذور الانفعالات المختلفة، والعصبيات المتنوعة والغيظ؟ هذه إحدى الملاحظات التي سجلها إدوارد سعيد، وهي في الحقيقة تستحق الانتباه إليها خاصة إذا راجعنا الاستشراق في بدايات نشاطه، لأن بداياته الأولى ترجع إلى فترات مبكرة أكثر، وترتبط بقصة الصراع بين المسلمين والغرب من خلال فتح الأندلس، ومن خلال الحروب الصليبية، ومن خلال الصراع في صقلية وجنوب أوربا، وهذا الأمر كان يجعل الإسلام يحتك بصورة مباشرة بالنصرانية التي كانت مؤسساتها الكنسية تسود العالم الغربي، وكانت هي التي تتوج الأباطرة والملوك، وتتمتع بملكية أرض واسعة مما جعلها القوة الرئيسية في الغرب، وهذا كله كان يجعل الإسلام في مواجهة مع الكنيسة النصرانية، ومن ثم اندفعت أعداد من القسس لدراسة الإسلام، فهذه البدايات الدينية كانت تتسم بالتشنج والعاطفية، والدراسات فيها اتهامات ممجوجة، وهي من السخف بحيث أن ذكرها في مثل هذا العصر ليس له من أثر، وإنما يدل على طبيعة العلاقات المنفعلة والمتسمة بالطوابع الذاتية في تلك الدراسات الاستشراقية الأولى.

والبعض يرى أن أوربا كانت تخشى من غزو إسلامي فكري في تلك الفترة، لأن المسلمين نقلوا الفكر اليوناني إلى أوروبا - أقصد عن طريق حفظ الكتب اليونانية التي ترجمت إلى اللغات الأوروبية عن العربية -، هذا الجانب لا يهمنا بوصفنا الإسلامي، ولكنه حدث وحدث معه أن ذهب أوروبيون ربما لطلب مثل هذه العلوم ابتداءً، ولكنهم احتكّوا ببيئة إسلامية في الأندلس، وكان البابوات يرصدون هذه الحركة، ويرون أنها خطرة على أوربا، وأنها تمثل غزواً حضارياً فكرياً إسلامياً، ومن هنا أنشئت مراكز الدراسات الاستشراقية المختلفة في أوربا بإذن من البابوات، وبتنسيق المجالس الكنسية، ووضعت في كمبردج وأوكسفورد وفي مراكز أخرى مثل ألمانيا.

كانت هناك قضية الصراع الفكري الديني، واستمر هذا التيار إلى أن ظهرت المرحلة الجديدة المقترنة بالتوسع الاستعماري، عندئذ صار من مهام الحكومات أن تسخر عدداً كبيراً من الباحثين ليكتبوا عن الإسلام والمسلمين باللغات الأوروبية، إذن الخطاب لم يكن موجهاً ابتداءً لناطقي العربية، أو اللغات الشرقية، وإلا لكانت الكتابة باللغة العربية، بل كان موجهاً لأوروبا، أن هذه هي صورة الإسلام فلا تتحولوا إليه، وإذا كانت هذه هي صورة المسلمين فلا تلوموننا إذا اقتحمنا ديارهم، ولا تلوموننا إذا استنزفنا خيراتهم، ولا تلوموننا إذا تعصبنا ضدهم، لأن هؤلاء القوم يتسمون بخصائص عقلية وجنسية وثقافية لا تمكنهم من النهوض بأنفسهم، وهم بحاجة إلى عوننا، والدور الذي سنقوم به والذي سنحدثه إنما هو لصالح الحضارة الإنسانية، ويستمر هذا الخطاب عبر قرن من الزمان وهو القرن التاسع عشر، وهو القرن الذي اشتد فيه الاستشراق، واشتدت فيه مؤسساته، وأوزرت من قبل الحكومات المختلفة الأوروبية.

ومنذ مطلع القرن العشرين وإلى الوقت الحاضر نعلم كيف برزت منطقة الشرق الأوسط، وأهمية هذه المنطقة استراتيجياً واقتصادياً، وبالتالي فإن الدراسات الاستشراقية استمرت واتصلت، كما أن مؤتمرات المستشرقين واصلت طريقها بدعم من الحكومات، ومن المؤسسات، ومن الأغنياء (الأفراد) من الأمريكيين والأوروبيين، ونجد أن الاستشراق الروسي يبرز بشكل أقوى منذ الثورة البلشفية سنة 1917 م، إذ لا بد من دراسة القوم الذين يراد لهم أن يُستعمروا، ولا بد أن يعتقد الغربي أن العمل إنساني وحضاري، وكيف مُثَّل الإسلام أمام الغرب؟

أولاً: لا وجود حقيقي للإسلام في الغرب لعدم وجود المؤسسات القوية القادرة على تمثيله، وهذا ولَّد فراغاً، ومكَّن المؤسسات الاستشراقية ومن ورائها عدد كبير من الدارسين الغربيين الذين لا يعرفون العربية ولكنهم يتلقون الصورة من خلال المؤلفات الاستشراقية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت