فهرس الكتاب
جسارة الانتقاء وأكذوبة التقليد
لايخفى على أحد من أهل الإسلام شأن الفتيا وأهميتها، وعلو منزلتها وخطورتها، إذ هي توقيع عن الله عز وجل ورسوله .
ولقد كان رسول ا صلى الله عليه وسلم يكفي الناس هذا الأمر؛ فما من نازلة تنزل دقيقة كانت أو جليلة، خاصة أو عامة إلا ويتوجه الصحابة إلى رسول ا صلى الله عليه وسلم يبتغون الهدى والبيان؛ فيسألونه ويجيبهم، ويستفتونه فيفتيهم؛ فيصدرون عنه وقد شفى العليل، وأروى الغليل، ولم يترك لهم شاذة ولا فاذة إلا وقضى حاجتهم منها، وجاءهم الخبر آية من كتاب الله، أو حديثاً من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم
وخذ مثلاً على ذلك ما جاء في قصة عقبة بن الحارث رضي الله عنه: أنه تزوج ابنة لأبي إهاب بن عزيز؛ فأتته امرأة فقالت: إني قد أرضعت عقبة والتي تزوج، فقال عقبة: ما أعلم أنك أرضعتني، ولا أخبرتني، فركب إلى رسول الله بالمدينة فسأله فقال:"كيف وقد قيل؟"ففارقها عقبة، ونكحت زوجاً غيره (1) .
وهكذا الحال على الدوام.. كلما جاؤوا بالمسائل جاءهم بالدلائل، فكان الأمر يقيناً كله.
الفتيا في عصر الصحابة:
ثم جاء عصر الصحابة رضي الله عنهم فكانوا أمنة حفاظاً، حماة للعقيدة، حراساً للشريعة، وهم رضي الله عنهم يتفاوتون في حمل العلم تفاوتاً بيناً، فمقل ومستكثر؛ ولهذا فقد تجد عند المفضول من العلم ما ليس عند الفاضل وكلهم أهل فضل .
قال مسروق رحمه الله: لقد جالست أصحاب محمد ، فوجدتهم كالإخاذ جمع إخاذة وهي الغدير أو مجتمع الماء فالإخاذ يروي الرجل، والإخاذ يروي الرجلين، والإخاذ يروي العشرة، والإخاذ يروي المئة، والإخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم، فوجدت عبدالله بن مسعود من ذلك الإخاذ (2) .
وكانوا رضي الله عنهم محط أنظار الناس يومئذ، يهتدون بهديهم، ويقتفون أثرهم، ويتأدبون بسمتهم، وكل المسلمين يقصدونهم لأجل الفتيا والسؤال والتلقي عنهم، وأخذ العلم منهم، ولم يكن في زمنهم من يقوم مقامهم أويسد مسدهم، فالكل محتاج إلى ما عندهم من العلم.
زد على ذلك أن النبي قد هيأهم لهذا الأمر، وأخبرهم أن الناس تبع لهم، وأمرهم أن يستوصوا بطالب العلم خيراً، وأن يرحبوا به ويقبلوا عليه.
فعن أبي هارون العبدي قال:كنا إذا أتينا أبا سعيد الخدري رضي الله عنه قال: مرحباً بوصية رسول الله ، إن رسول الله قال لنا:"إن الناس لكم تبع، وإنهم سيأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين، فإذا جاؤوكم فاستوصوا بهم خيراً" (3) .
فلم يكن بد من التصدي للناس، والنظر في قضاياهم، فبذلوا النفس والنفيس لنشر دين الله، غير ضانين بالعلم على أهله، واجتهدوا في تفقيه الخلق، وتحديث الناس، وقاموا بالوصية خير قيام رضي الله عنهم.
تورع الصحابة في الفتيا:
ومع ما حباهم الله به من الفضل والعلم إلا أنهم كانوا يتهيبون الفتيا، ويتحرزون منها، للعجز عن الإحاطة بالسنن والآثار كلها، فإن هذا ليس في مقدور أحد، ثم حتى مع العلم بها قد يعتري الإنسان شيء من الذهول والنسيان، أو أي عارض من العوارض التي تحول دون الإدراك الصحيح، والفهم المليح، فلولا حاجة الأمة، وخشية التأثم؛ لامتنعوا بالمرة، لأن الاجتهاد وبذل الرأي مزلة قدم، ومظنة سوء الفهم.
قال عبدالرحمن ابن أبي ليلى رحمه الله (ت82ه) :"لقد أدركت في هذا المسجد عشرين ومئة من الأنصار، وما منهم من أحد يحدث بحديث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث، ولا يسأل عن فتيا إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا" (4) .
الفتيا عقب عصر الصحابة:
ثم جاء من بعدهم من أهل القرون الأولى المباركة وقد ارتشفوا من فضائل الصدر الأول الميمون، وساروا على الأمر المستقيم، فكانوا على إدراك تام بأهمية مقام الفتيا ورفعته، فعظموه حق التعظيم، وقدروه قدره، فتحفظوا في الفتوى جهدهم، وصاروا يتدافعونها طلباً للسلامة، وقد تدور الفتوى دورتها بينهم حتى تعود إلى الأول، فإذا رأى أنه لا بد من الإجابة فلربما أجاب السائل وأفتاه وفرائصه ترتعد؛ كل هذا حذراً من القيل على الله بغير علم، ولا والله حاشاهم أن يقولوا على الله بغير علم،لكنه الورع التام، وهيبة المقام، وخشية الوقوف بين يدي رب الأنام.
قال سفيان الثوري رحمه الله:"أدركت الفقهاء وهم يكرهون أن يجيبوا في المسائل والفتيا، حتى لا يجدوا بداً من أن يفتوا" (5) .
وقال عطاء بن السائب رحمه الله:"أدركت أقواماً إن كان أحدهم ليسأل عن الشيء، فيتكلم وإنه لَيَرعدُ (6) ."
وعن عمير بن سعيد رحمه الله أنه قال:"سألت علقمة عن مسألة، فقال: إئت عبيدة فسله، فأتيت عبيدة فقال: إئت علقمة فقلت: علقمة أرسلني إليك، فقال: إئت مسروقاً فسله، فأتيت مسروقاً فسألته، فقال إئت علقمة فسله، فقلت: علقمة أرسلني إلى عبيدة، وعبيدة أرسلني إليك، قال: فأت عبدالرحمن بن أبي ليلى، فأتيت عبدالرحمن بن أبي ليلى فسألته، فكرهه، ثم رجعت إلى علقمة فأخبرته" (7) .