فهرس الكتاب

الصفحة 21488 من 27364

(( لم أكن أظن أن ما قضى الله به في كتابه وعلى لسان رسول صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى مُوافقة عِباد الله، ولكنني فُوجئت أنَّ قول الربِّ الأعلى يظل في المصحف ـ له قداسته في قلوبنا ـ إلى أن يُوافِقَ عباد الله في البرلمان على تصيير كلام الله قانوناً. وإذا اختلف قرار عباد الله في البرلمان عن حُكْمِ الله في القرآن فإنَّ قرار عِباد الله يصير قانوناً معمولاً به في السلطة القضائية مكفولاً تنفيذُه من قِبَلِ السلطة التنفيذية؛ ولو عارض القرآن والسنّة. والدليل على ذلك أن الله حرم الخمر، وأباحها البرلمان. وأنَّ الله أمر بإقامةِ الحدود، وأهدرها البرلمان. والنتيجة على ضوْءِ هذه الأمثلة أن ما قرره البرلمان صار قانوناً رغم مخالفته للإسلام ) ).

هذه الكلمات هي خلاصة ما انتهى إليه أحد علماء الإسلام بعد أن قضى ثماني سنواتٍ كنائبٍ في البرلمان. وكان ذلك النائب العالم قد أحس بضرورة الخطابة على المنابر، والكتابة في الصحف، بعد طُول معايشته لتلك الأساليب، ازداد إيماناً بجدواها لكنه شعر أنها وحدها لا تحدث تغييراً في القوانين، ولا تأثيراً مُستمراً في السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، فرشح نفسه لعضوية البرلمان بحثاً عن أسلوب جديد لإعلاء كلمة الله تعالى بتطبيق الشريعة الإسلامية، إنقاذاً للعباد من الضلالة وتخليصاً لهم من الأباطيل ودفعاً بهم إلى رِحاب الإسلام.

فاز العالم بعضوية البرلمان تحت شعار (أعطني صوتك لنُصلح الدنيا بالدين) وأعطاه النّاس أصواتهم ثقةً فيه رغم كلِّ وسائل التزييف والتزوير في الانتخابات. واستمر النائب في عضوية البرلمان دورتين متتاليتين ثم قال بعدها: (إنه عَزَّ على البيان الإسلامي أن يجد صداه المنطقي في هاتين الدورتين) .

ذهب النائب العالم يوماً إلى واحدة من مدريات الأمن لقضاء مصالح مُواطنيه ففوجئ في مكتب الآداب بحوالي ثلاثين امرأةٍ يجلسن على البلاط فسأل قائلاً: ما ذنبُ هؤلاء؟ فقال له المسؤول: إنهنَّ الساقطات! فسأل وأين الساقطون؟ إنها جريمةٌ لا تتم إلا بين زانٍ وزانية. فأخبره المسؤول بأنَّ الزاني عندهم هو مجردُ شاهدٍ بأنَّه قد ارتكب الزنا مع هذه وأعطاها على ذلك أجراً فهي تحاكم ليس لأنها ارتكبت الزنا ولكن لأنها تقاضت الأجر. فتحول المُقِّرُ والمعترفُ بأنه زان إلى شاهد عليها ولا يلتفتُ القانون إلى قراره واعترافه بالزنا.

غضب النائب العالم غضبةً لله، فقال له المسؤول ببساطة: (نحن ننفذُ قانوناً أنتم أقررتموه في البرلمان) .

أدرك النائب العالم أنه مهما كثرت الجماهير المنادية بتطبيق الشريعة، ومهما ساندها كتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وسلم فإن الآمال في تطبيق الشريعة لا يمكن أن تتحقق إلا عن طريق البرلمان الذي يسمونه (السلطة التشريعية) ، ولأنَّ السلطة القضائية لا تحكم إلا بالقوانين التي تصدر عن البرلمان ، وأنَّ السلطة التنفيذية لا تتحرك لحماية القرآن والسنّة، ولا لحماية الإسلام إلا بمقدار ما أقره البرلمان من هذه الجوانب المقدسة، اعتقد النائب العالم بأنَّ الوصول إلى هذه الغاية ممكنٌ إذا عَلِم نوابُ البرلمان أن هذا قول الله، وقوله رسول صلى الله عليه وسلم ، وحُكْمُ الإسلام ليقروه.

(1) 122) سورة يوسف، الآيتان 39-40 .

(2) 123) سورة البقرة، الآية 167 .

(3) مقال للدكتور أحمد إبراهيم خضر نُشر في العدد السادس والستون من مجلة البيان التي تصدر عن المنتدى الإسلامي بلندن .

انطلق النائب العالم فقدم مشروعَ قانون لإقامة الحدود الشرعية، ومشروع قانون لتحريم الربا مع اقتراح الحلِّ البديل، ومشروعَ قانون لتطويع وسائل الإعلام لأحكام الله، ومشروعَ قانونٍ لرعاية حرمة شهر رمضان، وعدم الجهر بالفطر في نهاره، ومشروع قانون لتنقية الشواطئ من العربدة، والعديد من المشاريع الإسلامية الأخرى. ووقع معه على مشاريع هذه القوانين عددٌ كبيرٌ من أعضاء البرلمان. وذهب النائب العالم لأداء العمرة ، واصطحب معه بعضَ أعضاء البرلمان، وعند الحجر الأسود عاهدوا الله جميعاً على مناصرة شريعة الله في البرلمان، ثم ركبوا الطائرة إلى المدينة المنورة، ثم تعاهدوا في رِحاب المسجد النبوي على رفع أصواتهم لنصرة شرع الله لا لنصرة انتماءاتهم الحزبية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت