عاصم السيد 5/3/1425
الولايات المتحدة الأمريكية بإطلاقها مبادرتها"الشرق الأوسط الكبير"للإصلاح في العالم العربي والإسلامي لا تستهدف مجرد القول والدعاية؛ ولكنها تعني ما تقوله، وتسعى إلى التنفيذ، وضمن الأطر التنفيذية للمبادرة الأمريكية تستضيف مدينة اسطنبول التركية خلال هذه الأيام مؤتمرًا حول الديمقراطية في العالم الإسلامي.. تشارك فيه قيادات حكومية، وزعماء ومسؤولون من الدول الإسلامية، والمبادرة التي أعلنتها الولايات المتحدة اعتبرت تركيا إحدى الدول القائدة في المنطقة، واعتبرت أن نظامها الإسلامي الحاكم الآن عبر حزب العدالة والتنمية هو نموذج مثالي يجب أن يسود العالم العربي والإسلامي.
وقد أعربت واشنطن عن رغبتها في أن يخرج من تركيا عشرات ومئات الدعاة والوعاظ ليدعوا إلى النموذج الإسلامي التركي ومزاياه، وأن يساهموا في محو الأفكار المتطرفة السائدة في الذهنية العربية والإسلامية، ويستبدلوها بأفكار تركيةٍ متصالحةٍ مع العلمانية.
والسؤال الذي نحن معنيون بالإجابة عنه في هذه السطور هو: لماذا هذا التركيز الأمريكي على تركيا؟ وما هي النقاط التي تثير إعجاب واشنطن في النموذج التركي؟ وما هي إمكانيات نجاح تركيا في أن تقود العالم الإسلامي ؟
تركيا في التصور الأمريكي
كانت واشنطن دائما داعمة ومؤيدة لوجود تركيا في حلف شمال الأطلنطي؛ كي تعمل كعازلٍ بين الاتحاد السوفييتي (سابقاً) وبين أوروبا والخليج العربي في عهد الحرب الباردة.
ونظرت واشنطن بعد ذلك لأنقرة على أنها يمكن أن تلعب دور الموصل داخل الاتحاد الأوروبي للمصالح الأمريكية. والولايات المتحدة تعلن في كثيرٍ من المناسبات أنها تؤيد انضمام تركيا لعضوية الاتحاد الأوروبي؛ لأنها تعتبر النموذج الإسلامي في تركيا الأفضل والأمثل في العالم الإسلامي، وترغب في تقوية ودفع هذا النموذج العلماني لكي يهيمن على المنطقة والعالم العربي والعالم الإسلامي.
الولايات المتحدة تريد أن يمارس المسلمون دينهم، وأن يذهبوا إلى مساجدهم ويعبدوا الله بشرطٍ واحدٍ: هو الفصل بين الدين والدولة، وهو النمط القائم في الولايات المتحدة نفسها، ولكنه غير قائم في العالم الإسلامي سوى في تركيا، وواشنطن ترى أنه لو نجحت التجربة الإسلامية التركية، وانتشرت في العالم الإسلامي؛ فإن مستقبل الأحزاب الإسلامية سوف يصبح كمستقبل الأحزاب المسيحية في ألمانيا ودول أوربية أخرى؛ فهذه الأحزاب بدأت كأحزابٍ دينيةٍ، وانتهى بها الأمر إلى أن أصبحت أحزابًا معتدلةً لا يكاد الدين يصيغ توجهاتِها.
تركيا ورقة للتغطية على إسرائيل
الولايات المتحدة الأمريكية نظرت في العالم الإسلامي فلم تجد أية ورقةٍ يمكن أن تلعب بها وتروجها على أنها النموذج والمثل؛ لأن العرب كلهم راسبون في المجال السياسي والديمقراطية، وفي نفس الوقت؛ فإن واشنطن ترغب في أن تصبح إسرائيل هي القائد والزعيم في العالم العربي والإسلامي، ويتم تعميم نموذجها ليكون هو السائد، ولكن عيب هذا النموذج أنه مرفوضٌ عربيًّا وإسلاميًّا، وهناك استنفارٌ شديدٌ لمواجهته، وهو استنارٌ عقائديٌّ في الأساس، وبالتالي كانت واشنطن في حاجةٍ إلى افتعال شبهةٍ إسلاميةٍ في الموضوع؛ فلم تجد ضالتها إلا في النموذج التركي ليتم الحديث بشأنه عن الماضي والتاريخ، والدولة العثمانية الإسلامية، وترغب واشنطن أن تأخذ تركيا كغطاءٍ لإسرائيل ليقوم الطرفان بقيادة التغيير في العالم العربي والإسلامي؛ حتى تختفي الحساسية ضد الصهاينة لو دخلوا هذا المعترك وحدَهم.
وقد يقول قائل ألا تخشى واشنطن من أن تلعب بورقة تركيا فينقلب السحر على الساحر، وتتأصل الهوية الإسلامية في تركيا وينتصر الإسلام على العلمانية الكمالية المتطرفة هناك، ويكون في ذلك خسارة محققة وفارقة للغرب كافة، والإجابة على هذا السؤال تقول: إن أمريكا لا تخاف من عودة تركيا للإسلام؛ فهي مطمئنة تمام الاطمئنان أن الجيش ومؤسسات الحكم العلمانية المتطرفة بما فيها مؤسسة المال والتجارة التي يسيطر عليها يهود الدونمة، ثم مؤسسة الصحافة العلمانية المتطرفة كل هؤلاء سيقفون بشدة ضد استعادة تركيا لهويتها الإسلامية .
وكأن الأمريكان يقولون: فنلعب مع أردوغان الذي ليس لديه إلا مساحة محدودة ليلعب فيها، وما دام أردوغان وحزبه يلعبون في هذه المساحة المحدودة فلا خوف منهم، ولو خرجوا عن الإطار فمن الممكن الانقضاض عليهم بسهولة، والإطاحة بهم كما تمت الإطاحة قبل ذلك بأربكان وحزب الرفاه؛ أي أن أربكان وحزب العدالة والتنمية ما هما إلا ورقة يتم اللعب بها أمريكيًّا لتحقيق هدفٍ معينٍ، ثم يتم القذف بها بعد ذلك بعيدًا كما فعلوا مع صدام تمامًا؛ حيث أغروه ودفعوه للحرب مع إيران، ثم غزو الكويت، وكان في ذلك هلكته، وبعدها تخلصوا منه.
أردوغان ..تباين وانقسام