انقسم الرأي في أردوغان وحزب العدالة والتنمية إلى فريقين؛ الفريق الأول: يرى أن مشروع العدالة والتنمية هو تنازلٌ عن مشروع الحركة الإسلامية، بل خيانةٌ له، ورهانٌ على العلمانية الإسلامية، ورغبةٌ في العيش تحت الأضواء، وإرضاءٌ للعسكر، واستسلامٌ للعلمانية، ويقولون إن أردوغان وزملاءه -في سبيل تحقيق ذلك- يتنازلون عن الثوابت الإسلامية؛ لدرجة أن أردوغان بعد فوزه مباشرة؛ وفي جولته الأوروبية أفطر في رمضان حتى لا يتعارض ذلك مع دعوته على مائدة الغذاء، وحتى لا يوصف بالتطرف لأنه صائمٌ في رمضان، كما يقولون إن تنازلاتِه في مجال الحجاب تدل على هذا التنازل؛ لأنهم لم يقفوا الموقف الإسلامي الذي كان ينتظره الكثيرون.
والفريق الثاني يرى أن أردوغان وحزبه استمرارٌ وتواصلٌ مع المشروع الذي بدأه مندريس، واستأنفه ديميريل، ثم تورغوت أوزال، ووصل إلى ذروته مع أربكان، وهو مشروع مصالحة تركيا الحديثة مع تاريخها، وهويتها من خلال الحد من التطرف العلماني للدولة في عدائها للدين في مسعى لاستبدال علمانيةٍ متطرفةٍ بأخرى معتدلةٍ؛ هي أقرب إلى النوع الأوروبي الذي يغلب عليه الحياد إزاء المسألة الدينية، وهذا الطريق الثاني يعلل أسباب اكتساح الحزب في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وتشكيله للأغلبية البرلمانية ليس لتساهله دينيًّا، وتخليه عن الثوابت، وإنَّما جاء استقطابه لقطاعٍ واسعٍ من اليمين العلماني، وكذلك اليسار لأن أحزاب اليمين واليسار أصبح الجميع يعرف فسادها، وعجزها عن تقديم حلولٍ لمشاكلِ البلاد الكبرى، كما استقطب الحزب ثلُثي الأكراد؛ بالإضافة لجمهوره الطبيعي من الإسلاميين. كل هؤلاء رأوا في العدالة والتنمية إنقاذًا لتركيا من الفساد الاقتصادي، أو من الحرب الأهلية مع الأكراد.
تطوير الآليات
النظر في الشعارات التي رفعها زعماء حزب العدالة والتنمية من أن حزبهم ليس حزبًا دينيًّا، ومحاولتهم التأكيد على التوافق بين الإسلام والعلمانية.. كل ذلك جاء بعد أن وعت الحركة الإسلامية التركية أن الاستمرار بنفس السياسات والوجوه ليس من شأنه إلا استمرار الحصار والضغط العلماني، ولذلك لم يكن أمامهم إلا تغيير السياسات، والإتيان ببرامج وأفكارٍ جديدةٍ.. كل هذا في إطار أن حصدهم لأصوات الناخبين لم يأت نتيجة الشعارات التي رفعوها، وإنما من إنجازاتهم في البلديات التي وفرت الخدمات المتنوعة للجماهير في اسطنبول مثلاً، وهكذا كان هدف حزب العدالة والتنمية هو تجنب وقوع السيف العلماني على رؤوسهم مع الاستفادة من تجارب الماضي؛ خاصة وأن الإسلاميين في عددٍ من الدول العربية اضطروا إلى الإقدام على مواءمةٍ من هذا النوع حتى استطاعوا الاشتراك في الانتخابات والوصول للبرلمان، وهكذا فإن ما عليه غالبية المحللين والمراقبين هو أن حزب العدالة والتنمية هو امتداد متطور لتراث الحركة الإسلامية، مع مرونةٍ أكبر في التعامل مع مؤسسات المجتمع، والسياسات المحلية والدولية .