فهرس الكتاب

الصفحة 1775 من 27364

خالد ابو الفتوح

تُعد العلمانية (فصل الدين عن الحياة) أحد الانحرافات الكبرى التي أصابت الأمة الإسلامية؛ إذ إنها حملت في طياتها مجموعة من التشوهات والمفاسد التي مسَّت أو تغلغلت ـ بدرجات متفاوتة ـ في تصورات أفراد هذه الأمة وقيمهم، أو نشاطاتهم وعلاقاتهم، أو نُظُمهم ومؤسساتهم.

ومن المعروف في دراسة أحوال المجتمعات وتحولاتها أنه من غير الممكن الوقوف على نقطة محددة (زمنية أو فكرية) في مجتمع ما والإشارة إليها على أنها نقطة التحوُّل العمراني (الحضاري) ـ هبوطاً أو صعوداً ـ في هذا المجتمع؛ فهذه النقطة قد تكون (محطة) في منحدر الهبوط أو سُلَّم الارتقاء، ولكنها لا تكون منعزلة أو منبتَّة الصلة بغيرها من الأفكار والأحداث والشخصيات الأخرى التي تكوِّن (المحطات) الأخرى في مسيرة هذا المجتمع.

ومن هذا المنطلق فإننا لا نستطيع دراسة نشأة العلمانية في العالم الإسلامي من غير البحث في الحامل الذي جاء بها (التغريب) ، ومن غير البحث في الخلفيات والعوامل الثانوية التي ساعدت على هذه النشأة، وبعد ذلك يمكننا تتبع شبكة التطورات التي انتهت إلى ما نحن فيه.

نظرة من بعيد:

يمكن القول: إن العلمانية إحدى الصور الفجة لانفصال السلطان عن القرآن الذي أخبر به صلى الله عليه وسلم: «... ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان؛ فلا تفارقوا الكتاب...» (1) ، وقد بدأ هذا الانفصال التدريجي بشكل خافت بعد الخلافة الراشدة إثر انفصال أهل العلم والتقوى عن أهل السلطان والغلبة؛ حيث تغيرت معايير اختيار أصحاب السلطان، وإن بقي أهل العلم يمثلون مرجعية للأمَّة وفي كثير من الأحيان لأهل السلطان أنفسهم، ولكن هذا الانفصال لم يكن في مبدأ أمره انفصالاً عن الأفكار والتصورات والعلاقات والتشريعات الإسلامية بقدر ما كان انفصالاً بين (جهاز) التفكير و (جهاز) التنفيذ، وإن قُدِّر وحدث انحراف ما في التنفيذ فإنه كان يقع في دائرة الاجتهاد الخطأ أو الهوى والمعصية، ولكن لم يتعد إلى دائرة التصورات والأفكار وتغييرها بغية إيجاد مسوِّغ وتشريع لهذا الانحراف والتعدي كما هو حادث في العلمانية، أقول ذلك على الرغم من وجود بعض الفتاوى التي كانت تصدر أحياناً من علماء السلطان لإيجاد مسوِّغ لمعاصيهم وتفلتهم من الأحكام الشرعية، ولكن المدقق يمكنه أن يرى أن هذه الفتاوى لم تكن أكثر من استخدام سيئ وبمهارة لأصول شرعية يُسلِّم المجتمع بمرجعيتها.

غير أننا لا نعدم أيضاً في بواكير (التراث الفكري الإسلامي) بعض الجذور العميقة لتصورات ومفاهيم منحرفة عن الإسلام الصحيح ساهمت إلى حد كبير في إخصاب الأرضية الفكرية التي عملت عليها العلمانية.

فمن ذلك: الأثر الذي تركته الفلسفة اليونانية والفارسية والهندية على فكر بعض الفرق ـ وخاصة المعتزلة ـ؛ حيث شاع عندهم تقديم العقل على النقل عند توهم تعارضهما، حتى عدُّوا ذلك أصلاً من أصول الاستدلال، فكانوا ينكرون ما يستطيعون من الأحاديث النبوية التي تتعارض مع المعقول ـ بحسب تصورهم لهذا المعقول ـ بدعوى عدم ثبوتها أو عدم حجيتها لكونها أحاديث آحاد لا تفيد اليقين، وهذه الفكرة ـ في أحد جوانبها ـ من شأنها تضييق نطاق النصوص الشرعية وما يستنبط منها لحساب توسيع مجال عمل العقل الذي أخذ يحتل مكانة النصوص في منهجية الاستدلال.

كما أخذوا يؤولون الآيات القرآنية ـ تأويلاً أياً كان بُعْده ـ ليوافق أصولهم ومعارفهم العقلية التي عدُّوها يقينية، فكان استخدام هذا الأصل بقدر ما يُعلي من قيمة العقل البشري بقدر ما يحط من قوة الإيمان بالغيب وصفاء التسليم للشريعة.

ومن ذلك أيضاً: الأثر الذي تركه الفكر الإرجائي على تصور كثير من المسلمين لحقيقة الإيمان؛ فقد ابتدع المرجئة القول بخروج الأعمال من حقيقة الإيمان؛ وعليه: بات يُكتفى في الإيمان بتصديق وقول ـ على اختلافٍ بينهم ـ، ومن ثم: كثرت الأعمال التي لا تنسب إلى الإيمان، وهي تشمل الحياة كلها، وبتعبير آخر: اتسعت المساحة التي يمكن أن يتحرك فيها العصيان والتبديل والانحراف بأمان تاركاً الإيمان قابعاً في زاوية ضيقة تسمى القول، ثم تحول هذا القول على يد المرجئة الجدد إلى مجرد ألفاظ خالية من مدلولاتها ومعانيها.

ومما زاد من أثر آراء المرجئة على حياة الأمة: اندثار المرجئة الفرقة، وبقاؤها ـ بل وانتشارها ـ أفكاراً وآراءاً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت