محمد سليمان 3/3/1423
يعيش الأردن منذ سنوات حالاً من التوتر بين السلطة وبين"الإخوان المسلمين"، وعلى الرغم من أنّ الخط البياني لهذا التوتر بين ارتفاع وهبوط، إلاّ أنّ الأزمة مستمرة في التجذر وتنحى بالعلاقة بين الطرفين منحى الطلاق أسوة بالعلاقة بين باقي الحكومات العربية وبين الإسلاميين. ولما كان الإخوان في المراحل السابقة هم الذين يبادرون إلى نزع فتيل الأزمة قبيل الانفجار ، فإنّه من غير الواضح بعد إذا كانت الأحداث الأخيرة والضغط الذي تمارسه القواعد الإخوانية ، بالإضافة إلى حال الغليان الشعبي ستسمح للقيادة الإخوانية بالتراجع هذه المرة ، وبالتالي يصبح الحديث عن تصورات العلاقة بين الإخوان والسلطة في المستقبل من الأمور الضرورية الآن..
1-فلقدت شهدت العلاقة بين الإخوان والسلطة حالاً من التعايش فيما قبل التسعينات ، وتعاون الطرفان في العديد من المجالات لدرء الخطر الشيوعي والبعثي ، الذي دخل في حال من الصراع القاسي مع كلا الطرفين إقليميا ومحليا. بينما اتجهت العلاقة بين الإخوان والسلطة إلى الأزمة الحقيقية مع نهاية حرب الخليج الثانية ، ودخول الأردن مؤتمر السلام ، وتوقيع السلطة على اتفاقية"وادي عربة"مع العدو الصهيوني ، وصَاحَبَ ذلك اندماج الأردن بشكل كامل في مشاريع التصحيح الاقتصادي ، والتزاوج بين التحولات السياسية الاقتصادية في محاولة إنتاج تحولات اجتماعية وثقافية تشكل استجابة من قبل السلطة للمتغيرات الجديدة ، والتحضير لما يسمى ب"عصر ألسلام"أو الشرق الوسط الجديد. هذه التحولات والتي بلاشك انعكست على العلاقة بين الطرفين ، وضعت كلاّ منهما على الطرف النقيض من الآخر و ساهمت بتغيير قواعد اللعبة السياسية في الأردن ، فبحث كلا الطرفين عن توازنات وتحالفات جديدة ، إذ وجد نظام الحكم بالدول العربية ( التي تتفق مع الأجندة الأمريكية في المنطقة ) ومنظمة التحرير الفلسطينية ( التي وقعت كذلك على اتفاق اوسلو ) حليفا رئيسًا ، بينما وجد الإخوان في المنظمات اليسارية والقومية في الداخل ، والدول التي تتحفظ أو تعارض الأجندة الأمريكية ( كالعراق،إيران،سوريا) حليفا إقليميا في المنطقة ، وبما أنّ الإخوان هم الجماعة الأكثر جماهيرية ، صاحبة الأيدولوجيا- التي تحظى بتأييد الشارع- ، والحركة التي تحوز على تعاطف الجماهير الأردنية وجدوا أنفسهم في قيادة المعارضة السياسية ، وفي مقدمة القوى السياسية الرافضة للتوجهات السياسية الجديدة .
2-شهد عام 1993 تصعيدًا في الأزمة بين السلطة والإخوان مع إقرار قانون انتخابي"قانون الصوت الواحد"الذي فصّل - بشكل محكم- لاحتواء الإخوان وتقليص نفوذهم في مجلس النواب ، ثم أعقبته مجموعة من القوانين والإجراءات السياسية ، مثل قانون المطبوعات والنشر ، القوانين الجامعية للحد من النشاط الطلابي في الجامعات ، التضييق على الحريات ، وملاحقة النشاط النقابي.
كل هذه وتلك كانت تضع مؤشرات على التوجه الدائم من قبل النظام للحد من التاثير الإخواني في الساحة السياسية والاجتماعية ، ومع ذلك فإنّ الرد الإخواني اكتفى بالعديد من الفعاليات المضادة ، والتي لم تكن أبدا بحجم الإجراءات الحكومية ، بل كانت ضمن السقف الذي حددته الحكومة للتعبير عن الاحتجاج . وشهد العام 1997 تطورا أخطر في الأزمة عندما استجابت الحكومة لسياسات جديدة لصندوق الدولي ورفعت سعر المحروقات والخبز ، مما أدى إلى اندلاع مظاهرات عنيفة في عدة مدن مثل: الكرك، ومعان، والطفيلة، أدت المظاهرات إلى أحداث عنف كبيرة، ومواجهات دامية بين الجيش والسكان الذين تظاهروا بطريقة عفوية ، وبمشاركة من قبل الأحزاب اليسارية ، ومرّة أخرى يتراجع الإخوان ويستجيبوا للسلطة حيث ألغوا مسيرة ضخمة كان يفترض تسميتها بمسيرة المليون، وقد تركوا النظام يستفرد بالقوى السياسية الأخرى ، وألزموا الجماهير الإخوانية بالهدوء والسكوت ! ، وفي ذات العام قاطع الأخوان الانتخابات النيابية احتجاجا على التدهور الدائم في الحياة السياسية ، وقاد عماد أبو دية ( نائب المراقب العام ) الجماعة نحو اعتزال العمل النيابي مؤقتا ، سعيا لإحراج السلطة وبيان هشاشة"الحال الديمقراطية".
3-وإذا جاز لنا أن نتجاوز كثيرًا من الأحداث التي أثرت على العلاقة بين السلطة والإخوان فيما بعد ، فلا بد من الإشارة إلى تغير الحكم ، ودور العهد الجديد بالوصول بالأزمة إلى ذروتها . ويمكن إجمال معالم تطور الأزمة بالنقاط التالية:
أ- تضخم دور الأجهزة الأمنية ، وتغول العامل الأمني على العامل السياسي ، بما هو معروف من الحساسية بين الأجهزة الأمنية والمعارضة في العالم العربي.
ب- طرد قادة حماس من الأردن ، وتصفية وجودهم السياسي والإعلامي .
ج- المسارعة في التحولات السياسية والاقتصادية اليبرالية ، والمضي قدمًا بالـ"خصخصة البنيوية".
د- انقطاع الحوار بين القصر والإخوان ، وعدم مبادلة العهد الجديد بالعلاقة مع الإخوان .