فهرس الكتاب

الصفحة 10811 من 27364

لا شك أن ما حدث في نيويورك وواشنطن هو حدث إنساني كبير، يهم العالم بأسره، ولسوف يشكل منعطفاً تاريخياً حاداً، يصلح لأن يؤرخ به، ومن غريب المصادفة أن يأتي في السنة الأولى من الألفية الميلادية الثالثة، ليكون بداية لها، تؤرخ به.

ولا شك أن من حق كل إنسان يعيش على الأرض أن يدلي بدلوه في رسم حدود هذا المنعطف، ومعالم الطريق الذي سيضع الإنسانية عليه!...

فنحن نعيش عصر العولمة الذي اختزل القرى في قرية كونية واحدة، والغى ما بينها من أبعاد وحدود، وكسر كل الحواجز والسدود.

ونحن نعيش عصر المعلومات وثورة الاتصالات الذي بدل معايير ارتقاء الأمم وتقدمها من ثروة المال ومداخن المصانع وقوة السلاح إلى ثروة المعلومات وقوة المعرفة، فكسر بذلك جميع الاحتكارات، وأسقط كل الايحاءات، إذ المادة الأولية للمعرفة والمعلومات هي الفكر والعقل، وهي مادة مشاعة بين البشر يملكها الجميع بالتساوي. لا ينفرد بها عرق أو لون أو أمة أو شعب.. ولعل ما حدث يوم الثلاثاء وما حدث قبله من اختراقات إلكترونية على شبكة المعلومات لبرامج البنتاجون يؤكد هذه الحقيقة حقيقة شيوع المعرفة وكسر الاحتكارات.

فأين موقع الإسلام من الحدث. وما كان موقفه منه بوصفه المرشح الأول للمواجهة مع الغرب في صراع الحضارات بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، كما صوره هانتجتون، وصادق على هذه الصورة كثير من المفكرين الغربيين؟!

لم يتردد الأمريكيون فور وقوع الحدث في وضعه في قفص الاتهام، كأبرز أصحاب السوابق المشتبه بهم، كعادتهم كلما تلقوا ضربة، حتى لو تبين لهم أن بعض هذه الضربات لم يكن له يد فيها.

بل إنهم _هذه المرة _ تجاوزوا توجيه أصابع الاتهام، وعجلت ألسنة قادتهم _ربما لهول الصدمة _ بإعلانها حرباً صليبية، اتخذوا لها شعار النسر النبيل، وهو شعار الحملة الصليبية التي سبق للغرب أن شنها على الإسلام _كما نعلم _ ثم بدا لهم أن يعتذروا عما زلقت به ألسنتهم، تفادياً لإحراج حكومات يريدون أن تشاركهم حملتهم ضد الإرهاب.

ثم أطلقوا شعارهم الجائر: من لم يكن معنا في مكافحة الإرهاب على الطريقة التي نرسمها فهو ضدنا يقف في صف الإرهاب، متجاهلين كل حق للإنسان في الاختلاف واختيار الرأي الأفضل.

ويتطوع بعض الخطاب الإسلامي بتقديم الأدلة والبراهين على رعاية الإسلام للإرهاب.. فيطرح تارة ثنائية الايمان والكفر، ليستعدي أربعة أخماس سكان المعمورة على المسلمين، وتارة يطلق صيحات الجهاد والبيعة والنصرة بعيدة عن سياقها، مجردة عما قرره لها العلماء من ضوابط وشروط ومسوغات ويقف الإسلام إزاء هذه المواقف المتباينة:

مشفقاً من أن الإنسانية لم تدرك بعدُ رسالة السماء، ولم تسلك درب الأنبياء الذي لخصته الرسالة الخاتمة، وأودعت خرائطه في كتاب الله تعالى الأخير (القرآن العظيم) .

واثقاً من أنها متجهة إليه، تحث الخطى نحوه، تحت سياط تجاربها المريرة، وفي سياق كدحها إلى الحقيقة (هذا نذير من النُّذرِ الأولى(56) أزفَت الآزفة (57) ليس لها من دونِ اللهِ كاشفة (58) أفمن هذا الحديثِ تعجبون (59) وتضحكونَ ولا تبكونَ (60) وأنتم سامدون (61) فاسجدوا لله واعبدوا (62 ) ) (النجم) .

متأكداً من أن الإنسانية سوف تقلع عن استخدام القوة وسفك الدماء وسيلة لحل المشكلات، وسوف تستبدل بها وسائل الحوار، والكلمة السواء التي دعانا إليها الإسلام.

ربما يحلو لبعض المتفيهقين من أدعياء الحداثة أن يدرجوا هذا الكلام في عداد الوعظ، ويصنفوه في نطاق لغة الأخلاق والمثاليات، التي يعسر تطبيقها في الواقع المعيش، كما يعسر قياسها بلغة الأرقام، لكنني أؤمن بأنها حتمية تاريخية تندرج في إطار القوانين الطبيعية التي سير الله تعالى بها الكون، وأن الإنسان بموجب قانون الارتقاء والاصطفاء وتجنب الأخطاء الذي سنه الله تعالى له، لا يزال يتدرج في معارجه منذ أخبر الله ملائكته (إنّي جاعلٌ في الأرض خليفة) (البقرة) إلى أن يثبت صدق تقدير الله فيه.

آية ذلك ما نراه من إقبال الغربيين على اعتناق الإسلام كلما اتيح لهم أن يطلعوا على عظمته، تبرماً بمادية حضارتهم المغرقة وخوائها الروحي، وإعجاباً بما يحققه الإسلام للإنسان من طمأنينة ترضي تطلعاته إلى الحق، وتوازن لا يهمل بعده الروحي ومصيره.. حتى إنه بات يشكل الدين الأكثر انتشارا وتقدماً في العالم بفارق كبير يفصله عن سائر الملل والديانات.

يحدث ذلك من دون أية جهود دعوية تبذل، وعلى الرغم من النماذج التطبيقية السيئة، ومن التخلف الذي يعيشه العالم الإسلامي، مما يؤكد قدراته الذاتية على الانتشار من جهة، وفاعلية الكلمة وحتمية ظهور الحق على الباطل تلقائياً من جهة أخرى، وأن الإسلام يعتمد على هذه القوة الذاتية للحق.

فما هذا الإسلام؟ وما خطابه للناس؟ وكيف يتعامل مع الآخر؟ ومن الآخر في نظره؟ وما موقفه من الإرهاب والعنف؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت